المديني يتذكر الخوري بمعرض الكتاب

لم تغب ذكرى القاص الراحل إدريس الخوري عن الدورة السابعة والعشرين من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حيث استُحضرت ذكراه في ندوة، جمعت أدباء من تونس ومصر والمغرب، حول موضوع “كتابة المكان”.

وطلب الروائي والناقد أحمد المديني من جمهور الندوة القيام وقراءة الفاتحة على روح الخوري، ليقول بعد ذلك إن الفقيد كان سيسعد باستقبال العاصمة لمعرض الكتاب، بعدما انتقل إليها هذه السنة من مكانه المعهود بالدار البيضاء؛ لأنه “كان أحد أطياف هذا المكان، وأعلامه، وصعاليكه”.

إعلان

وانتقد مؤلف رواية “رجال الدار البيضاء” ما أسماه “مشكلةً عاطفية للكتاب عرب”، في حين إن “الرواية لا تتحمل العاطفة، التي يجب أن تكون دما في الشرايين، لا فيضانا طافيا”.

وتابع المتدخل: “نحتاج وصفا صارما لا نوستالجيا بائسة رثة، وفيضا يغلب (حاليا) على الرواية العربية”، بينما “الرواية فن موضوعي”، و”مشكلة الروائي أن يتعلم كيف يسمي الأشياء بدقة، لا أن يكتب كلاما ووصفا عامين. وعليه تسمية الأشياء بدقة مليّة، وفنيّة دقيقة تحتاج مهارات وقدرة”.

وواصل المديني: “نحتاج تقديمَ المكان بأدواته لا بلغة طافية. اللغة وحدها لا تكفي، بل ينبغي تطويع اللغة وجعلها لغة مهارات، وخلق المكان من جديد”.

هذا “المكان” موضوع “واسع وكبير ومعقد؛ لكنه التِّيمة الأساسية للأدب، منه ننطلق وإليه نعود، وتراثنا الشعري العربي، منذ المعلقات؛ كله مطالع طلَلِية، موضوعها المكان، وهو ما استمر وصولا إلى أبي تمام”.

واستحضر المديني الأمكنة في “الإلياذة” و”الأوديسة” اللّتين تمثلان “رحلة من مكان إلى آخر، ولو أنهما أسطوريتان”.

وقال الناقد إن “كل رواياته مركزها ومُبتَدؤها ومنتهاها المكان”؛ فـ”المكان ليس “ديكورا” بل هو إقامة حياة”، وهذا ما يجده القارئ عند “ديكينز، وبلزاك وفلوبير وكل من أسس للرّواية الحديثة”.

لكن المكان “ليس الجدران والسقف والأبواب، وليس المكان الخارجي”. هذه الفكرة دفعت أحمد المديني إلى تقديم مثال بـ”العمران البشري”، الخلدونيّ، الذي “يخلق الحياة والدلالة والمعنى”.

وهكذا، تكون الرواية الحديثة “ابنة المدنية الحديثة والعلاقات الجديدة، الناتجة عن الثورة الصناعية التي استطاعت إقامة عمران المدينة الحديثة والمدنية الحديثة”؛ فصار لها “مكانها الجديد بثقافته وروحه”، الذي يحضر الإنسان في “قلب عناصره المادية”.

وتطرق المديني إلى “بناة المكان” في الرواية الغربية، الذين “تتلمذنا عليهم، وعليهم بنيت الرواية العربية”. وأضاف: “الرواية الجديدة مدرسة مؤسّسة من جديد للمكان، لانطلاقها من الشيء بتجريد تام، لا من اندماج بين الكائن والمكان”.

وقدم المتحدث أمثلةَ تمارين في الرواية الحديثة، عند مدارس تؤمن بفرض إكراهٍ على الكتابة، عبر عدم استعمال حرفٍ على سبيل المثال، أو عند تجارب روائية؛ مثل تجربة جورج بيريك، الذي عمل لسنوات كاتبا للمكان بطريقة مزدوجة، فيأخذ سنة وهو يكتب مكانا بشخوصه انطلاقا من ملاحظاته المباشرة، ثم بعد ذلك يكتب المكان نفسه من الذاكرة، وهو “عمل رهيب” نشر بعد موته.

من جهته، تحدث الروائي كمال العيادي عن “حومة علي باي”، التي كان جوابه عن أن زائرا لها تفاجأ بالبعوض الموجود بها ومستنقعها، وساكنتها: “لا أكتب المكان بل الحنين إلى المكان”.

وزاد المتدخل أنه يكتب أدبا الأسطحَ التي كان ينطّ منها طفلا، وقبر أبيه القريب من المنزل، وشكاوى أمه المفصلة على قبر والده، ثم ذكر أن “المكان يكتسي روح الشخصيات”، وأن كُتّاب المنطقة “صنيعة المكان”؛ مقدما مثالا بمعرفتهم “الجنة والنار بتفاصيلِهما”.

وشدد الروائي، في ختام تدخله، على أن “من كتبوا بروحهم وعصارة قلوبهم آثارهم خالدة إلى اليوم، بمختلف أشكال الكتابة والتعبير الثقافي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى