السفير الظاهري يبرز الرؤى الموحدة بين المغرب والإمارات لتعزيز التسامح والتعايش

قال العصري سعيد الظاهري، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بالرباط، إن مسألة التعايش والتسامح بين الأديان أصبحت تكتسي أولوية كبرى للبشرية جمعاء لتقوية الحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وأشار الظاهري، في مقال له بعنوان “الإمارات والمغرب: ‘رؤى موحدة’ لتعزيز التسامح والتعايش بين الأديان”، إلى أن التطرف والغلو وكافة أشكال التمييز العنصري القائمة على الدين أو الجنس أو اللون أضحت أمراضا طافحة على جسد الحضارة المعاصرة.

إعلان

وتحدث السفير الإماراتي عن تجربة بلاده في تبني رؤية التسامح والتعايش بين الأديان، حيث ذكر أن ذلك كان ضمن الركائز القوية في سير التقدم الحضاري الذي تنتهجه دولة الإمارات العربية المتحدة لبناء الدولة المواطنة الحارسة لأمن واستقرار المواطن.

وفي حديثه عن المغرب، قال العصري إن المملكة المغربية كانت عبر تاريخها ومازالت منارة للتسامح والتعايش بين الشعوب والثقافات والحضارات، ونوه في هذا الصدد بالمبادرات النبيلة التي اتخذها لفائدة تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الأمم وحماية أماكن العبادة والحفاظ على التراث الثقافي والروحي لمختلف الديانات.

هذا نص المقال:

أضحت مسألة التعايش والتسامح بين الأديان تكتسي أولوية كبرى للبشرية جمعاء، ومن خلالها يمكن إيجاد فرص عديدة لتقوية لغة الحوار والتسامح بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ فقد أصبحت الصراعات الدينية تشكل هاجسا كبيرا نحو تبني رؤية منغلقة عن الآخر الذي يشترك معنا الوجود الإنساني، ومن ثم كان من الضروري للشعوب المختلفة تطوير مجموعة من التوجهات لتعزيز قيم التعايش التي تجمعنا، ومن هذا المنطلق سعت الدول عبر تاريخها إلى تعزيز قيم التسامح وتطويرها. ومنذ تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، قامت الإمارات السبع بتشكيل كيان سياسي واجتماعي يجمع قيم التضامن بين شعبها، وكان القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله” من بين القادة الذين تبنوا رؤية التسامح والتعايش بين الأديان.

وشكلت قضايا التصدي للتطرف ونبذ العنف والانغلاق الفكري محاور أساسية في تفكير وانشغال المرحوم سمو الشيخ/ خليفة بن زايد آل نهيان “رحمه الله”، إذ اعتبرها ركائز قوية في سير التقدم الحضاري الذي تنتهجه دولة الإمارات العربية المتحدة، وحلقة متواصلة من حلقات بناء هذه الدولة المواطنة الحارسة لأمن واستقرار المواطن الإماراتي في بعده المادي والروحي –الديني، وتقديمه كأولوية قصوى لكل خطط التنمية بمختلف برامجها التي تروم مقاربة الحاضر وتتطلع لمستقبل بأفق منفتح على القيم الإنسانية.

فالتطرف والغلو وكافة أشكال التمييز العنصري القائمة على الدين أو الجنس أو اللون…أضحت للأسف أمراضا طافحة على جسد الحضارة المعاصرة، تنذر بتهافت العقل الكوني المؤسس لقيم الاختلاف والاعتراف بالآخر، التي تختزل تراكمات التجربة الإنسانية في العيش المشترك. لذلك وبحق، باتت هذه الأمراض تطرح تحديات صعبة تهدد أمن الدول والمجتمعات عبر تغذية التعصب الديني في العالم كله، من خلال رفع شعارات ممركزة حول هوية قاتلة تلغي الآخر بتأويلات مغلوطة للدين الإسلامي، في حين أنها بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام السمحة وشرائعه الإنسانية التي تحث على السلام والتعاون والتعايش بين الشعوب.

بين إكراهات هذا الواقع المركبة، والتطلع إلى غد مشع بقيم العيش المشترك وقدرة الشعوب على المساهمة في البناء الحضاري للإنسانية، برزت عبقرية ونبوغ المرحوم بإذن الله “سمو الشيخ خليفة”، حيث حدد مكامن الداء ووصف الدواء، إذ كانت دولة الإمارات العربية المتحدة سباقة في مناهضة كافة أشكال العنف والتطرف منذ تأسيسها سنة 1971 كما جاء في الوثيقة المقدمة 18 أبريل 2016 إلى “مؤتمر جنيف للوقاية من التطرف العنيف”. إلا أن الرؤية المتبصرة والمقاربة الشاملة لمختلف جوانب هذه الظاهرة للمرحوم بإذن الله “الشيخ خليفة” كانت علامة فارقة في تاريخ هذه الدولة، وشكلت خارطة طريق بإستراتيجية متكاملة الأبعاد، جمعت بين القانوني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإعلامي؛ رصدت لها كافة الإمكانات والآليات قصد ترجمتها على أرض الواقع.

لذلك لم تكن مسيرة البناء المشهودة ثورة اقتصادية وعمرانية فقط، وإنما ثورة فكرية لبناء روح التسامح في المجتمع، وترسيخ ثقافة الانفتاح والحوار الحضاري والتعايش الديني ونبذ التعصب والتطرف والانغلاق الفكري وكل مظاهر التمييز بين الناس؛ ففي يوليو 2015، أصدر المرحوم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان مرسوماً بقانون رقم 2 لسنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية، وفي فبراير 2016، تم استحداث منصب وزير دولة للتسامح لأول مرة في دولة الإمارات (في 5 يوليو 2020، تمت إعادة تسمية الوزارة بوزارة التسامح والتعايش)، واعتمادها البرنامج الوطني للتسامح، وإقامة شراكات دولية لبناء القدرات، ومنع العنف، ومكافحة الإرهاب والجريمة مثل: المعهد الدولي للتسامح، ومركز “هداية” لمكافحة التطرف العنيف، ومركز “صواب”.

ترتكز إذن إستراتيجية دولة الإمارات للتصدي للتطرف بكل أشكاله ولتيارات العنف على تعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال وقبول الآخر، من خلال عديد البرامج والمبادرات التي أصبحت نموذجا يحتذى به من الممارسات الجيدة في إدارة التعايش السلمي بين أكثر من 200 جنسية، بخلفياتها الثقافية والدينية والمذهبية والعرقية المختلفة التي تضمها الدولة. وفي هذا السياق، قامت الدولة في فبراير 2019 باستضافة مؤتمر الأخوة الإنسانية، بهدف تفعيل الحوار حول التعايش والتآخي بين مختلف الديانات والثقافات وسبل تعزيز هذه القيم عالمياً، والتصدي للتطرف وسلبياته وتعزيز العلاقات الإنسانية، بحيث تقوم على احترام الاختلاف. وصدرت عن المؤتمر “وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك”، التي وقع عليها الإمام الأكبر الدكتور “أحمد الطيب”، شيخ الأزهر، وقداسة البابا “فرنسيس”، بابا الكنيسة الكاثوليكية، أثناء زيارتهما المشتركة إلى الدولة للمشاركة في المؤتمر. كما أعلنت الدولة عن بناء بيت العائلة الإبراهيمية الذي سيضم مسجداً وكنيسة، الذي يهدف إلى توجيه رسالة موحدة حول أهمية التعايش السلمي والحوار بين الأديان، وعدم السماح للجماعات المتطرفة والإرهابية باستغلال الاختلافات الدينية لنشر العنف والكراهية.

ورغم الجهود المبذولة لتعزيز التسامح والتعايش الديني في هذا القطر أو ذاك، تبقى محدودة وقاصرة عن بلوغ أهدافها، ما لم تتضافر الجهود على المستوى العالمي؛ فالإرهاب والتطرف في زمن العولمة والحدود المفتوحة أضحيا ظاهرتين عابرتين للأوطان، وأصبحت معهما جغرافية العالم مسرحا مباحا لنشاط الحركات المتطرفة، ما تطلب ردا عالميا. فالمعركة بهذا الشكل لم تكن لتقف عند حدود دولة الإمارات العربية المتحدة، التي طالما اعتبرت أمنها واستقرارها جزءا من أمن واستقرار الوطن العربي، وكانت بذلك في طليعة الدول التي مدت يدها لدعم وتكثيف الجهود البناءة في تعزيز التسامح وإعلاء مبادئ التعايش السلمي بين الأمم، وإصلاح الخطاب الديني والعودة إلى الصورة السمحة للدين الإسلامي الحنيف، على أساس من شأنه نبذ التطرف والغلو الذي تحاول بعض الجماعات فرضه على الخطاب الديني؛ ما جعل دولة الإمارات من بين الدول الرائدة في التصدي والمواجهة، ونموذجا لدول أخرى يمكن الاسترشاد به في هذا المجال.

يمكن تحقيق إجماع عالمي وتوحيد صفوف المواجهة لهذا السرطان الذي يهدد الوجود الإنساني عن طريق بناء تحالفات إقليمية أو حتى عن طريق تحالفات ثنائية بين دولتين في الحد الأدنى، تتقاسمان الرؤية نفسها، وتتطلعان إلى الأهداف والغايات نفسها. وهنا نستحضر العلاقة المغربية الإماراتية لما لها من خصوصية ضاربة في أعماق التاريخ، وليست نتيجة تحالفات آنية أملتها شروط موضوعية؛ فمنذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة والعلاقة مع المملكة المغربية تسير على أكثر من محور واتجاه، وفق رؤية موحدة عمادها أواصر الأخوة والاحترام المتبادل والعمل على توطيد الوحدة والتضامن كيد واحدة. ويمكن استلهام التجربتين الرائدتين للمملكة المغربية ودولة الإمارات في السمو بقيم التسامح والتعايش الديني لدى كافة الشعوب والدول.

لقد كانت المملكة المغربية عبر تاريخها ومازالت منارة للتسامح والتعايش بين الشعوب والثقافات والحضارات، وهي القيم التي تم تجسيدها في الرؤية الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وقبله والده المرحوم جلالة الملك الحسن الثاني. وفي كل مناسبة يثمن الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات التزام جلالة الملك محمد السادس بتعزيز فضاءات الحوار الثقافي والتعايش، وتوطيد أسس السلام على الصعيد العالمي، والمبادرات النبيلة التي اتخذها لفائدة تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الأمم، وحماية أماكن العبادة والحفاظ على التراث الثقافي والروحي لمختلف الديانات (الإسلامية واليهودية والمسيحية). وما لبثت المملكة المغربية تسعى إلى تحقيق التسامح والتعايش الديني في جو من الطمأنينة والسكينة والإخاء بين المغاربة المسلمين والمغاربة اليهود والمغاربة المسيحيين، جنبا إلى جنب مع الحرية التامة في ممارسة الشعائر الدينية، بل تجاوز الأمر إلى تقاسم مجالات العيش المشترك والتساكن في المدن والقرى والمبادلات التجارية وتقاسم الأفراح والأحزان.

إن التوقف على تفاصيل ومسار التجربة المغربية والإماراتية في مواجهة التطرف ونبذ كافة أشكال العنف والتمييز يكشف بالملموس عن خطوط مشتركة ومساحات متداخلة في الرؤية والإستراتيجيات، وكذلك الآليات والأهداف؛ تداخل نابغ من صميم العلاقة التي تجمع بين البلدين الشقيقين، التي تسمو عن الخلافات السياسية الظرفية مهما كانت حدتها؛ علاقة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة والدين، وهذا الأخير الذي يعنينا أكثر من المجالات الأخرى رغم ترابطها.

لقد تم تجسيد هذه الرؤية المشتركة بين البلدين عبر التوقيع يوم 7 فبراير 2005 على مذكرة تفاهم بين المملكة المغربية الشقيقة ودولة الإمارات العربية المتحدة، لتوثيق أواصر التعاون الإسلامي بين البلدين وإعطائه دفعة جديدة في مجالات إحياء التراث الإسلامي والدعوة الإسلامية والوعظ والإرشاد، والتصدي للفكر المتطرف وتنمية الوقف واستثماره. وحتما لن تكون الخطوة الأخيرة، بل ستتبعها خطوات في المستقبل تروم زرع قيم التسامح والتعايش والحوار وتوطيد أواصر الأمن والسلام والعيش المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى