شقير يقارب تجذر الدولة بالمغرب بين عوامل الاستمرارية ومظاهر التفكك

قال الباحث السياسي محمد شقير: “يمكن تحديد العوامل التي ساهمت في تكريس استمرارية الدولة بالمغرب وتجذرها في عوامل تتمثل في الاندماج في المنظومة المتوسطية، وأخرى داخلية تتمثل في تشكيلة اجتماعية واقتصادية خاصة”.

وتطرق شقير، في مقال له بعنوان “تجذر الدولة بالمغرب بين عوامل الاستمرارية ومظاهر التفكك”، إلى مجموعة من العوامل التي ساهمت في تجذر الدولة بالمغرب، من خلال التفصيل في محاور “الانتماء إلى المنظومة المتوسطية”، و”الارتباط بالتجارة الدولية”، و”التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية المتميزة”، و”البنية الإنتاجية الداخلية”.

إعلان

وختم الباحث السياسي مقاله بالتذكير بما أشار إليه شارل أندريه جوليان، حيث أكد على أن “هناك عاملا آخر ساعد على استمرارية الدولة بالمغرب، تمثل على الخصوص في تشبث السكان المستقرين بالسهول بنمط عيشهم، من خلال مواجهتهم لكل محاولات البدو في اكتساح هذه المناطق، محتمين بذلك بجبال الأطلس التي شكلت سدا منيعا أمام هذه الاكتساحات”.

وهذا نص المقال:

يمكن تحديد العوامل التي ساهمت في تكريس استمرارية الدولة بالمغرب وتجذرها في عوامل تتمثل في الاندماج في المنظومة المتوسطية، وأخرى داخلية تتمثل في تشكيلة اجتماعية واقتصادية خاصة.

الانتماء إلى المنظومة المتوسطية

تتمثل هذه العوامل في انتماء المغرب إلى المنظومة المتوسطية. إذ يعتبر المغرب، من خلال شريطه الممتد من الحسيمة إلى طنجة، أحد بلدان البحر الأبيض المتوسط. وهكذا يرى الـمـؤرخ شـارل أنـدريـه جـولـيـان أن الـسـواحل المغربية شاركت، منذ العصور القديمة، في النشاط المتوسطي، كما ارتبط تاريخ المغرب، بشكل وثيق، بتاريخ إسبانيا في القرون الوسطى.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك بأن تاريخ المغرب الحديث تأثر بشكل كبير بكل الصراعات والمستجدات التي عرفتها أوربا المتوسطية، سواء كان ذلك من خلال حروب إسبانيا والبرتغال أو حروب إسبانيا مع العثمانيين في إطار الهيمنة على منطقة البحر الأبيض المتوسط أو الصراع الذي كان دائرا بين فرنسا وإنجلترا للسيطرة على المنطقة.

ومن المعلوم أن منطقة البحر الأبيض المتوسط اعتبرت منذ القديم مهد عدة حضارات، وشهدت نشأة عدة دول عريقة كدولة الفراعنة في مصر، والدويلات الفنيقية، والدويلات اليونانية. كما عرفت توسع عدة إمبراطوريات مثل الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية القرطاجية. وقد كانت السـمة الرئيسية التي ميزت مختلف هذه الدول والإمبراطوريات هي قدم نشأتها وامتدادها الزمني المكثف.

ويمكن أن نرجع سبب هذا الامتداد والاستمرارية إلى الطبيعة الساخنة لهذه المنطقة. فنظرا لكون منطقة البحر الأبيض المتوسط كانت دائما منطقة صراع حول النفوذ، فقد كان من المفروض أن تكون لكل شعب دولة تحميه ضد كل الهـجـمـات الأجـنـبـية، خصوصا تلك القادمة من البحر. فالبحر الأبيض المتوسط إذا كان يشكل لكل شعب من شعوب المتوسط مورد رزق ومنفذا تجاريا،

فقد كان في نفس الوقت يشكل مصدر خطر لكونه كان معبرا للاحتلال ومنفذا للهجمات الأجنبية الآتية من البحر. وهكذا يشير عبد القادر جغلول إلى أن “الظروف التي أحاطت بمنطقة البحر المتوسط، خصوصا الصراع الروماني – القرطاجي أفضت إلى تكوين الدولة البربرية في القرن الثالث ق م بما فيها الدولة المغربية”.

لــكـن إذا كـانـت هـذه الـظـروف سـاهـمـت بـشـكـل كبير في نشأة الدولة بالمغرب؛ فإنها ساهمت منطقيا في استمراريتها، حيث إن هذه الظروف، التي تمثلت في الصراع على الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط، بقيت تفعل باستمرار. فبانهيار روما، ظهرت قوى إقليمية أخرى حاولت السيطرة على المنطقة مـثـل بيزنطة والأمـويـيـن وغيرهما. وقد كان لهذا الصراع المحتدم والمتواصل في منطقة البحر المتوسط تأثير كبير على تطور الدولة المغربية، نتيجة للموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب في هذه المنطقة، والذي يبرز من خلال:

أولا- إشرافه على مضيق جبل طارق الذي يعتبر البوابة الرئيسية للدخول أو الخروج من المنطقة.

ثانيا- قربه الكبير من الضفة الأوربية من خلال جواره لإسبانيا والجزيرة الخضراء التي تعتبر القاعدة الأمامية لأي تدخل في أوربا.

ثالثا- توفره على شريط ساحلي على المحيط الأطلسي.

ونتيجة لهذا الموقع الجيوستراتيجي، وجدت الدولة المغربية نفسها مشاركة في كل الأحداث السياسية التي عرفتها مـنطـقـة الـبـحـر الــمـتوسط، حيث شـارك الـملـوك الـمـغـاربة القـدامى في الصراع الذي كان دائرا بين روما وقرطاجة، وكذا في مواجهة التوسع الروماني من خلال مساندة الملك يوغرطة؛ ثم ساندوا روما في قضائها على هذا الأخير.

كما دخلوا حلبة الصراع الذي دار بين القيصر وخصومه على السلطة. كما شكل المغرب أيضا محطة عبور للوندال في حربهم ضد روما. في حين كان أول معقل انطلقت منه الجيوش الأموية لاحتلال الأندلس (إسبانيا حاليا) بزعامة موسى بن نصير وقائده طارق بن زياد هي طنجة وسبتة. وهـكـذا فـإن وجــود المـغـرب فـي مـنـطـقـة ساخنة سياسيا، وتواجده في حلبة الصراع بين القوى الإقليمية، كان يفرض تواجد دولة مغربية باستمرار، حيث يمكن لهذه الدولة أن تخضع للاحتلال أو للحماية أو تتعرض للضعف، ولكنها لم تتلاش أبدا.

ومن خلال قراءة متأنية لتاريخ المغرب، سنجد أن الدولة المغربية بقيت قائمة حتى بعدما نشرت روما سيطرتها على مـخـتـلـف مـنـاطـق شمال إفريقيا، وقضت على المملكة النوميدية. بل إن القضاء على هذه المملكة، جـعـل المـمـلـكـة المـوريـتـانـيـة تـحـصـل عـلى بعض أجزاء هذه الأخيرة مقـابل مساندة بوكوس لروما في حربها ضد يوغرطة.

وقد استمرت المملكة الموريـتـانـيـة قـائـمـة حـتـى بعد إنشاء بعض المستعمرات الرومانية في المغرب مجسدة في حكم يوبا الثاني وابنه بطليموس. وإذا كان اغتيال الإمبراطور الروماني كاليكولا لبطليموس يمثل فقدان الدولة المغربية لسيادتها واستقلالها؛ فإن هذا لم يعن اختفاء الدولة المغربية، بـدلـيـل أن تـمـرد أيـدمـون واضـطـرار روما إلى وضع حواجز (الليمس) لتأمين المناطق المستعمرة؛ وكذا التحالف مع بعض رؤساء القبائل المـغـربـيـة، كـان يؤكد أن التوسع الروماني كان احتلالا، والاحتلال يكون دائما لدولة ما. فهذا الاحتلال، الذي وإن شكل عرقلة لتوحيد سياسي، كما يقول بعض الباحثين، فإنه لم يقض على الوجود السياسي للدولة المغربية. فبحلول القرن الثالث الميلادي بدأت روما تتخلى عن مواقعها بالتدريج لينتهي ذلك بمغادرة الحاكم الروماني لمدينة وليلي، التي كانت تجسد دائما استمرارية الدولة المغربية. فقد أشار كورتوا إلى أن مغادرة الحاكم الروماني لمدينة وليلي كان يعني ترك السلطة لملوك بقيوة “الذين قاموا بلا شك بممارسة السلطة في كل مناطق المملكة الطنجية القديمة”.

كـما يـؤكـد كـورتوا أن الـفـتـرة الـتي تـزامنت مع الاكتساح الوندالي شهدت ظهور عدة ممالك، سواء في الجزائر أو المغرب؛ خصوصا أن هذا الأخير كان يبتعد كثيرا عن مقر الدولة الوندالية. لذا فإن الفاتح العربي عندما دخل المغرب واجه مقاومة مستمرة كانت تحركها أساسا الفكرة الاستقلالية، التي كانت انعكاسا لاستمرارية الدولة بالمغرب.

الارتباط بالتجارة الدولية

لقد ارتبطت اسـتـمـرارية الدولة بالمغرب بالتجارة الدولية التي تمركزت بشكل خاص وحتى حدود القرن 16م في مـنـطـقـة الـبحر الأبيض المتوسط. وهكذا يشير بيران إلى أن مركز التجارة الدولية تحول ابتداء من القرن الثالث قبل الميلاد نـحـو غـرب البـحـر الأبـيـض الـمـتـوسـط، الـشـيء الذي جـعـل مـن هذه المـنـطـقـة عنصرا رئيسيا في الـسـاحـة الـدولـيـة فـي مـخـتـلـف الميادين البحرية والاقتصادية والسياسية.

وتواجد المغرب في هذه المنطقة جعل الدولة المغربية تستفيد من الفائض الذي كانت تدره عليها وساطتها التجارية. وقد ساهمت عدة عوامل في لعب الدولة المغربية دور الوسيط التجاري بين أوربا وإفريقيا السوداء والمشرق العربي تمثلت على الخصوص فيما يلي:

أولا- توفر المغرب على واجهتين: واجهة بحرية وواجهة صحراوية، فالواجهة البحرية كانت تساعد على التعامل مع أوربا من خلال تسهيل عملية تبادل مواد استراتيجية كانت أوربا في حاجة دائمة إليها، وهي العبيد والملح والذهب. في حين شكل المغرب من خلال واجهته الصحراوية محطة تجارية لنقل بعض المصنوعات الأوربية مثل الأقمشة والأسلحة.

ثانيا- تـوفـر الـمـغرب على بنية زراعية ساعدت على إنتاج بعض المواد الفلاحية مثل الحبوب والزيتون أو منتجات بحرية كانت أوربا في حاجة ماسة إليها، بالإضافة إلى الجلود والصوف والدواب.

ثالثا- تـوفـر الـمـغـرب عـلـى سـواحـل مـمـتـدة مـن الشريط المتوسطي إلى السواحل الأطلسية، التي كانت من الضروري الرسو فيها نظرا لطبيعة التجهيزات البحرية التي كانت غير متطورة آنذاك. فتوقف الفنيقيين ببعض الموانئ المغربية وإنشاء القرطاجيين محطات على السواحل المغربية وتعرض هذه الأخيرة للاحتلال الإيبري يؤكد أهمية هذه السواحل في التجارة الدولية المتوسطية.

ولم تكن اسـتـمـراريـة الـدولـة بـالـمغرب رهينة فقط بارتباطها بالتجارة المتوسطية؛ بل أيضا نتيجة لتوفر المغرب على ثلاثة مـنـافـذ تـجـاريـة:

– فهناك النافذة المتوسطية

– والنافذة الأطلسية

– وكذا النافذة الصحراوية.

وهـذه الـنـوافـذ الـتـجـاريـة الـثـلاث مـكـنـت الـدولة الـمـغربية من أن تحافظ على علاقاتها التجارية الخارجية، وأن تـحـصل عـلى الـفـائـض الـذي يـسـمـح لـها بـالـبـقـاء والاستمرار. فالـدولـة المـغـربـيـة كانت عبارة عن دولة “بثلاث رئات”؛ كلما تعطلت رئة تنفست من رئة أخرى. وهكذا عندما احتل الرومان المنطقة الشمالية للمغرب، تم الانكفاء نـحـو الجـنوب والـتـبـادل مـع دول جنوب الصحراء. وعندما احتلت إسبانيا الشريط المتوسطي، سبتة ومليلية، واحتل البرتغال السواحل الأطلسية، بقيت الدولة المغربية تستمد مواردها من تجارة القـوافـل.

ولعل هذا المعطى هو الذي يفسر إشارة محمد أركون إلى أن الدولة المغربية تـمـتـعـت بأطول استـمـراريـة فـي منـطـقـة شـمـال إفـريـقـيا. إذ أن كل الدول التي ظهرت في هذه المنطقة لم تكن تتوفر سوى على واجهتين (متوسطية وصحراوية ) مثل الدولة التونسية أو الدولة الجزائرية؛ بل إن الواجهة الـمتوسطية التي كانـت تـعـتـبـر الـرئـة الرئـيسـية لهاتين الدولتين كانت غالبا ما تعطل بفعل الهجومات البـحـريـة الأجـنبـية (روما، بيزنطة، الحروب الصليبية) أو الاكتساحات البدوية مثل نزوح بني هلال وبني سليم إلى المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك فإن تأثير هذه الاكتساحات كان بليغا بالنسبة لهاتين الدولتين، فالاحتلال الروماني اتخذ طابعا استئصاليا بـالنـسـبة للدولة التونسية؛ حيث قامت روما بإحراق قرطاج والقضاء على مملكة ماسينسا بينما قام بنو هلال وبنو سليم بـتـخـريب الـدولـة الـتـونـسـيـة والـجـزائـريـة وذلـك بـالقـضاء على مدنها الساحلية. في حين أن الاحـتـلالات الـتي تـوالـت عـلـى المغرب لم تـتـخـذ هـذا الـطـابع الاستئصالي نظرا لأنها كانت تصل إلى المغرب وقد فقدت الكثير من زخمها وعـنـفـوانها نتيجة لـتـواجد هـذا الـبلـد في أقصى المنطقة.

ومما كرس أيضا استمرارية الدولة بالمغرب هو تمكنها من الرد على الهجمات الأجنبية وقدرتها على التوسع في المنطقة سواء في عهد بوكوس أو في عهد يوسف بن تاشفين أو في عهد عبد المومن بن على الكومي…وذلك من خلال تحول الدولة المغربية إلى امبراطورية لعبت دورا حاسما وتاريخيا في المنطقة.

تشكيلة اقتصادية- اجتماعية متميزة

لقد تفاعلت عدة عوامل داخلية لتكريس استمرارية الدولة بالمغرب؛ حيث لعبت هذه العوامل، بالتوازي مع العوامل الخارجية المذكورة سالفا، دورا حاسما في الحفاظ على هذه الاستمرارية.

ويمكن تحديد هذه العوامل في:

الحدود الطبيعية:

تجدر الإشارة إلى أن المغرب توفر على حدود طبيعية قارة وواضحة؛ حيث وجد نفسه محاطا بساحلين بحريين وصحراء في الجنوب ونهر ملوية في الشرق؛ الشيء الذي سهل على الدولة المغربية التوفر على حدود سياسية في وقت مـبـكـر. ومن المعروف أن الحدود السياسية شكلت عنصرا رئيسيا في بلورة الكيانات السياسية والحفاظ على استمراريتها. لذا استطاعت الدولة المغربية، انطلاقا من هذه الحدود، أن تبلور هويتها مـن خــلال الـدفـاع عـن حـدودهـا، فـنـهـر ملوية كان دائما الحد الفاصل الذي كان يعتبر تجاوزه انتهاكا لحرمة الدولة. ومما يعزز ذلك تبرير بوكوس محاربته للجيوش الرومانية بأنه دفاع عن حدود مملكته.

الـتـنـظـيـم الـقـبـلـي:

أشار جغلول إلى أننا ” لا نستطيع فهم… تقلبات الدويلات المغربية بمعزل عن علاقاتها بالنظام القبلي”. فطبيعة النظام القبلي في العالم العربي، ومنطقة شمال إفريقيا على الخصوص أثرت بلا شك على سـيـرورة الدول، وبالأخص عـلـى اسـتـمراريتها. وهكذا تميز النظام القبلي في المغرب بعدة خصائص ساهمت بشكل كبير في استمرارية الدولة المغربية. وتتمثل هذه الخصائص في:

أولا- وجود اتحادات قبلية كبرى مثل مصمودة وصنهاجة وزناتة.

ثانيا- تمركز هذه الاتحادات في الطرق التجارية الممتدة من جنوب الصحراء إلى منافذ البحر المتوسط.

وهذه الخصائص جعلت هذا النظام القبلي لا يتعارض مع استمرارية الدولة. فتطعيم الاتحادات القبلية للدولة بقيادات سياسية وعسكرية، ومصلحة هذه الاتحادات في تأمين الطرق التجارية، بالإضافة إلى الامتيازات السياسية التي كانت تحصل عليها من الدولة جعلت كل الاتحادات القبلية تتنافس فيما بينها لضمان استمرارية الدولة بالمغرب. وقد فسر جغلول هذه الظاهرة بقوله إن “الـحـضـور الـعـام لـلـتنـظـيـم الـقـبـلـي وراء عـملية البناء الحكومي يدل على أن القبيلة والدولة بالرغم من تـناقـضهما ليسا متنافيتين. وإذا كان هناك حقا اختلاف فتجدر الإشارة إلى أن التنظيم القبلي على مستوى معين من تطوره يحمل مشروعا حكوميا…”.

وبالفعل، فإن تاريخ المـغـرب يـشـهـد على أن كـل الـعـصـبـيـات الـقبلية التي تداولت على حكم المغرب كانت عصبيات بـانـيـة للدولة وليست محطمة لها. فكل عصبية كانت تسعى بالأساس إلى إخضاع العصبيات الأخرى مـن أجـل الـوصـول إلـى الـسلطة والتحكم في دواليب الدولة. ومن ثمة قامت الدولة المغربية منذ نشأتها على أساس قبلي. ورغم أن الأساس كان مصدر عدم استقرار للدولة، فلم يثبت قط أنه كان عنصرا من عناصر تلاشيها أو اضمحلالها. وهـنـاك عـامـل آخر ساعد هـو أيـضا في ضـمـان هذه الاستمرارية. ويتمثل هذا العامل في التنافس القبلي المتجدد؛ حيث بمجرد ما تضعف عصبية وتشرف على الهرم كانت هناك عصبية أخرى في حالة ترقب، وتقوم بالإجهاز على العـصـبـيـة الآيـلـة للسقوط لتحل محلها وتمنح بذلك دما جديدا للدولة. وقد عبر محمد إقبال عن هذه الصورة من خلال إشـارتـه إلـى أن “الـتـاريـخ قــد عـلـمـنـا أن الـدولـة التي قـد تـضـعـف من خلال تلويناتها وتجسيداتها المختلفة والمتوالية، تتجدد باستمرار بفعل القوة المحركة للعصبية”.

البنية الإنتاجية الداخلية:

أشار سمير أمين إلى أن الحياة الزراعية في مختلف الأقطار العربية، باستثناء مصر، “بقيت عارضة والتقنيات الزراعـيـة للإنتاج قـلـيـلـة الـتطور، وإنتاجية العمل الزراعي ضعيفة، ومستوى حياة جمهور المزارعين قريبا مـن الـكـفـاف. “لكن يمكن أن نوسع هذا الاستثناء ليشمل بعض بلدان شمال إفريقيا كتونس والمغرب. فهذا الأخير توفر دائما على موارد فلاحية، من مناخ متوسطي وموارد مائية، وسهول صالحة للزراعة، أهلته لكي يتمتع ببنية زراعية ورعوية ملائمة.

وقد سمحت هذه البنية بأن تحصل الدولة المغربية على موارد، إن لم تكن دائما كافية إلا أنها كانت تساهم في الـكـثـيـر مـن الأحيان في الحفاظ على استمراريتها. ويتجلى ذلك على الخصوص في أنه في الوقت الذي كانت تشح الموارد المالية الخارجية المستمدة من التبادل التجاري والغزو، فإن الدولة المغربية كانت تستطيع الحفاظ على استمراريتها من خلال الاقتصار على الموارد المستحصلة من النشاط الفلاحي.

النشاط الفلاحي لعب دورا مهما في تأمين موارد الدولة، ليس فقط من خلال تزويدها بالضرائب التي غالبا ما كانت تتخذ شكلا عينيا، وإنما في ضمان استمرارية الكثير من المدن التي كانت مركزا للتجمعات الحرفية وحلقة من حلقات التبادل التجاري، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. فقد “شـكـلت الضـرائـب عـلـى الإنـتـاج الـفـلاحي الرعوي والحرفي الأساس للمداخيل المنظمة والثابتة لدول المغرب”. بالإضافة إلى ذلك، فالبوادي المغربية ساهمت أيضا في تزويد الدولة المغربية بالخيول والرجال: الدعامتان اللتان تضمنان للدولة هيبتها واستمراريتها.

كما أشار شارل أندريه جوليان إلى أن هناك عاملا آخر ساعد على استمرارية الدولة بالمغرب تمثل على الخصوص في تشبث السكان المستقرين بالسهول بنمط عيشهم، من خلال مواجهتهم لكل محاولات البدو في اكتساح هذه المناطق، محتمين بذلك بجبال الأطلس التي شكلت سدا منيعا أمام هذه الاكتساحات. وقد ساهم تشبث هؤلاء السكان بنمط عيشهم واستقرارهم في السهول في “الـحـفـاظ عـلـى استـمرارية سلطة استطاعت بسهولة فرض طاعتها “. فالمـواجـهـات الـمستـمـرة بـيـن البـدو الـرحل والمزارعين المستقرين أسفرت، بخلاف ما وقع في الجزائر، عن استمرارية الدولة المغربية ودوام تواجدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى