فيلم “أن تكون من آل ريكاردو”.. عصر الرقابة على الفن في زمن أمريكا المكارثية

قصة من زمن الرقابة بأمريكا يحكيها الناقد المغربي محمد بنعزيز في نص حول فيلم “أن تكون من آل ريكاردو”، هي درس أيضا لمستسهلي كتابة الكوميديا وتصويرها هنا. يتحدث بنعزيز عن التمثيل بوصفه تنكرا في جلدِ آخر، رأى تحققه في أداء خافيير بارديم؛ ممثل يقدّر الكاتب أن الأوسكار سُلِبَت منه، لاستحقاقه لها بدل وِيل صافع الطُّرفة. ويقف الفيلم، وفق ناقده، عند الشهرة والتأثير في الجماهير، وإكراهات صراعات القوة والهيمنة. كما يتحدث عن الكوميديا؛ النقدِ في عباءة التسلية. إطار تطرق فيه الناقد لخطورة المزحة بالنسبة لرجل المخابرات، والرقيب، ورجل الدين المنتقد للضحك، بدل الإفراط فيه، وعن تركيبها الذي لا يستوعبه من يستسهلون الاشتغال عليها.

نص المقال:

إعلان

إليكم كوميديا عن كتابة وتصوير الكوميديا في فيلم “Being the Ricardos” (2021) للمخرج آرونسوركين، ومن بطولة نيكول كيدمان وخافيير باراديم، وخلاله قدم الممثلان الكبيران تطبيقا ناجحا لتعريف شابلن للتمثيل بأنه تنكر في جلد شخص آخر، كان أداء خافيير باراديم مرشحا وكان يستحق الأوسكار الذي ذهب إلى ويل سميث الذي صفع مقدم الحفل.

يركز فيلم “أن تكون من آل ريكاردو” على مجد المسلسلات وعصر الرقابة على الفن في زمن أمريكا المكارثية حامية المسيحية والوطنية. كوميديا عن كتابة وتصوير ورقابة المسلسلات الكوميدية. عمل يطرح على الطاولة إشكالية عظيمة: كيف تجعل الناس يمرحون ويضحكون؟

كيف يمكن استدراج المتلقي لخداعه ثم إفهامه؟

الجواب:

السيناريو ثم السيناريو ثم السيناريو.

لدى الممثلة سيناريست ماهر في استخراج دلالات النظرات وتفسيرها. يعمل تحت ضغط الزمن ولا يتقبل سماع ملاحظات علنية من الممثلين عن السيناريو الذي كتبه. يتقبل فقط نقدا هامسا حميميا لعمله.

بعد الكتابة تقضي الممثلة الكثير من الوقت لتحفظ الحوار، توضح منهجها في فهم الدور وأدائه، تطلب الصمت والتركيز لأنه كلما تكلمنا قل سمعنا أكثر… تحاكي الممثلة الوضعيات التي ستؤديها مرات عدة لكي تكون الحركات دقيقة ومعبرة ولكي تحسن تموقعها أمام الكاميرا… وهذا ما يوفر لها معرفة عميقة بالدور تؤهلها لتغنيه، تستخدم عُدة الممثل متكاملة وهي: الجسد والصوت والحركات… تشتغل لوسي (كيدمان) على مشهد العشاء الأخير، يكتشف المخرج أن الممثلة أكثر دقة وفهما للدور منه. التمثيل هو مهنة نيكول كيدمان، وما تقوم به في الفيلم هو جزء من حياتها… لزيادة الأثر والتحقق من نفاذه، يجري التصوير أمام عينة من الجمهور من مئتي شخص منتقاة من أوساط اجتماعية مختلفة لقياس ردود الفعل… يتم التركيز على الجانب الطفولي للشخصية لإثارة ضحك جمهور من طبقات مختلفة، التنوع الثقافي مفيد للكوميديا… يحتاج المتفرجون حلقات مستمرة… تُكتب وتُصور وتُبث وتنجح… وخلف ذلك هناك جهد وإمكانيات ومعارك.

معارك فنية:

يقترح السيناريست مهنة للشخصية، تقرر الممثلة لقاء شخص ما يمارس تلك المهنة لتدقق معلوماتها… يدعي الممثل أنه أكثر قدرة على اكتشاف نقاط عدم تناسق الشخصية في السيناريست، وهو يقترح تعديلات حين يكون المخرج مستعدا للاستماع، ينفذها حين تكون شخصيته قوية. أما حين يخاف الممثل من فقدان الدور، فإنه يُنفذ ما طلب منه ويعتبر أنه لا يتحمل أية مسؤولية عن نتيجة ما صُوّر.

ممنوع على الممثل إعطاء الأوامر لباقي الممثلين والتقنيين أثناء التصوير… يشعر المخرج بالإحراج… لكن الممثلة هي زوجة منفذ الإنتاج… المال يسمع صوته.

معارك إعلامية:

كيف تصير الحياة بعد الشهرة والثراء وضغط العمل؟ حرب في المنزل وفي بلاطو التصوير، ضغط التصوير ومصيبة الصحافة تكتب عن الخيانات المتبادلة.

وفجأة تتهم الممثلة بأنها شيوعية، أي ضد المسيحية وضد الوطن، ويتخذ الاتهام أبعادا كارثية حين يكون زوج الممثلة من أصل كوبي… تتهم فيحذف زوجها مشهد انتقاد الضرائب في أمريكا للتعبير عن الولاء والوطن…

يَعرض الفيلمُ كلفة ان يكون المرء فنانا شهيرا يوجه الجماهير، يواجه الدولة والشركات الكبرى، في مثل هذه الأوضاع يواجه الفنان العفوي الذي يقول كل ما يفكر فيه صعوبات شديدة لأنه لا يتلاءم مع تواضعات المنظومة الاجتماعية والسياسية المهيمنة. يستخدم الفنان الشهير وسائل الإعلام التي تمولها الشركات وتشرف عليا الدولة… لينجح ويلمع، وهذا يعرضه لأعباء من كل صنف.

إن الكوميديا هي نقد في عباءة تسلية، مثلا كم ساعة يستطيع الفرد أن يعيش دون أن يكذب؟ هذا عبء أخلاقي. تتلقى الممثلة عرضا للقيام ببطولة سلسلة فتشترط أن يلعب زوجها الدور. مدير المخابرات يبرئ الفنانة تصفيق تصفيق…. ما هي التهمة؟ الشيوعية. جرى هذا في بلد ديمقراطي أرغم فيه طفل على توقيع تعهد بالولاء للولايات المتحدة الأمريكية.

المسلسلات موضوع خطير بالنسبة للمخابرات، لكن بعد مرور السيناريوهات من رقابة البوليس تأتي رقابة رجال الدين، يقول مدير الإنتاج إنه سيسلم السيناريو لراهب وحاخام للتأكد من خلوه مما يمس المقدس. يتوقع ملاحظ أنه إذا راجع القس والحاخام السيناريو سيحذفان الكثير من النكت… قديما اعتبر القديس أوغسطينوس المسرح حماقة… وأكد الفقهاء أن الضحك يميت القلب ويذهب بنور الوجه. الكوميديا خطرة إذن. من لم يثبت ولاءه لن يحصل على التمويل. تحرص الرقابة على الانسجام الاجتماعي…

حسب ملفنهيلترز، كاتب “أسرار كتابة الكوميديا”، فإن للإضحاك قيمة ضخمة (ص 15). ما فوائد الإضحاك؟ أولا يجعل ممارس الإضحاك محترما (وقد يصبح رئيسا لأوكرانيا) يتذكره الجميع، وثانيا يحصل على فائدة: المال.

يضحك المتفرج بطريقة أفضل عندما تشجعه المادة الكوميدية على أن يكمل بنفسه بعض المعلومات الناقصة. يكتشف ويضحك المتفرج بصوت عال ليعرف الآخرون أنه فهم (ص46). الضحك معدي.

لا تتحقق هذه الأهداف بسهولة. إن كتابة الكوميديا عمل صعب. “إن من يريدون إلقاء النكات أكثر من الذين [يقدرون أن] يكتبونها” (أسرار كتابة الكوميديا ص 18)، ولأنه حسب ثيربانتيس “ليس في مقدور كل إنسان أن يكون فكها” (دون كيخوته ص 1034).

ليس بمقدور أي كاتب أن يكتب كوميديا. وهذا درس للذين يحضرون لتصوير كوميديا مرتجلة تكتب في آخر لحظة من طرف خلية كتاب موسمية.

الكتابة هي نسج تفاصيل محسوبة بدقة، وليست بنت الارتجال والحظ. وهذا الفيلم درس لكتاب سيناريو المسلسلات، درس في كتابة السيناريو وفي البروفات التي تؤدي إلى تعديل السيناريو والحوار لكي يصير حوارا مشبعا بالقفشات وبالنبرة والنظرة والإشارة التي ترافق الحدث فتغنيه وتفسره… وهذا يستفز الرقيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى