جلسات ربيع العلوم الاجتماعية .. شموع تنير “ظلام الجامعة المغربية”

وجه آخر للجامعة المغربية وصورة مغايرة للباحث المغربي ارتسمت في فضاء مركز الندوات التابع لجامعة الأخوين بإفران.

ربيع العلوم الاجتماعية كان عند وعده مزهرا بحيوية لافتة وعطاء معرفي غامر وطاقات خلاقة، لسان حالها يقول إن المستقبل ليس بعد رهانا خاسرا وأن الحاضر ليس السواد الذي يلف تمثل الجامعة المغربية في الانطباع العام، بل في انطباع النخب الجامعية نفسها.

إعلان

انطلق الركب بمبادرة مقدامة وأفق طموح يمد الجسور الممكنة بين المجهود البحثي في العلوم الاجتماعية والسياسات العمومية في مجال بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدولة والمجتمع: الهجرة؛ ذلك أن السياسات العامة التي تستغني عن مكاسب الإضاءات الإستراتيجية والمسالك العملية التي يفتحها البحث في مختلف شعب العلوم الاجتماعية هي بالضرورة سياسات قصيرة المدى، قاصرة النجاعة، محفوفة بالخسارات هدرا للزمن والموارد.

في دورته الثانية التي انعقدت على مدى يومين بمشاركة باحثين من مختلف الجامعات المغربية، بجلسات علمية وورشات موضوعاتية تقاطعت عند موضوع التعددية الثقافية في صلته بديناميات الهجرة، بدا واضحا أن المشروع يحمل بذور الاستمرارية ويوطن فلسفة عمل وفضاء حوار وتحدي تراكم معرفي متعدد التخصصات.

مشروع يتيح للباحث المغربي بقدر ما يسمح لصانع القرار تملك لوحة قيادة مستقبلية تستدمج آليات التشخيص وأدوات الاستشراف تجاه ظاهرة الهجرة التي باتت مكونا رئيسا من مكونات النسيج الوطني، هوية واقتصادا، بأسئلة الأمن والاستقرار والتنمية والتماسك الاجتماعي والتعددية الثقافية….

قيمة المشروع العلمي ترتسم على عتباته، إطاره التنظيمي، مستوى نقاشاته، هندسة أنشطته، تشكيلة المساهمين فيه، صلته بأثر مستدام بعد انصرام اللحظة وإطفاء الأضواء.

حضرت هذه المقومات بقدر يسمح بالتفاؤل حول مستقبل مشروع علمي يتسم بالجدية والمصداقية؛ فقبل انطلاق الجلسات العلمية، كان المنظمون قد سلموا للمشاركين الكتاب الجامع للمداخلات المحكمة التي تم إرسالها قبل أشهر، ضمن طموح الأثر المكتوب والتراكم المغني للخزانة المغربية والعربية. هكذا، تتاح للباحث 10 دقائق صارمة لعرض أهم المحاور والخلاصات ليفتح باب التفاعل مع أسئلة وتعقيبات المحفل العلمي في قاعة استمت بروح إنصات لا تحضر إلا نادرا في قائمة طويلة من الندوات واللقاءات التي تنظم بإملاء المناسبة أو لتشغيل ميزانية التظاهرات دون رؤية ناظمة ولا عائد معرفي مستدام.

جسدت فعاليات المؤتمر بذكاء تنظيمي فضاء تلاقح أجيال السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا المغربية في المحفل الجامعي. ومن المحمود أن مخضرمي الجامعة المغربية تولوا أساسا إدارة الجلسات؛ بينما شكل الباحثون الشباب في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والعلوم السياسية والعلاقات الدولية الصوت الأساسي في المداخلات المبرمجة.

لا مبالغة في القول إن حالة من الدهشة السعيدة سادت في هوامش المؤتمر تجاه هذه الثمار اليانعة لجامعة مغربية مثخنة بجراحات الاختيارات الآثمة ومعطلة بالاختلالات الهيكلية. فصاحة في التعبير، روح منهجية وبيداغوجية في العرض والتفسير، مرجعيات متنوعة تنهل من منجزات العلوم الاجتماعية وتتملك مهارات وأدوات المعرفة في العوالم الفرونكوفونية والأنجلوساكسونية على السواء، مباحث متنوعة بين مقاربات فكرية نظرية ودراسات ميدانية تتوزع بين محاور الهجرات الدولية في بعدها الدولي وتعبيراتها وانعكاساتها في فضاءات محلية وجهوية وأبحاث تواكب تحول المغرب إلى بلد استقبال من خلال الانكباب على عينات من المهاجرين المقيمين على أرض المملكة.

تكاملت هذه المساهمات على نحو محكم وحاذق لترسم بانوراما كلية بمكوناتها التفصيلية لظاهرة الهجرة بشكل عام، وأساسا بما تطرحه على المجتمع والدولة المغربية من تحديات تخص سؤال الهوية ورهانات التعددية الثقافية التي تجد بنية استقبال إيجابية في سياسة الهجرة واللجوء الجديدة التي اعتمدها المغرب وتجسدت في تسوية أوضاع المهاجرين، وكذا في البنيان الدستوري الذي يؤكد على تعددية المقومات والروافد الثقافية للنسيج الوطني.

لم يكن المؤتمر مجرد لحظة مصالحة مع الفضاء الجامعي المغربي الذي تألق بباحثيه مع تسجيل حركية تأنيث واضحة مشرفة ورفيعة المستوى، بل هيأ بتحرره الشكلي والبروتوكولي سبل اكتشاف وجوه أخرى للفاعل السياسي والعمومي. لطالما كانت الجلسات الافتتاحية وجبات عسيرة الهضم مغرقة في المجاملات والسطحية والاستعراض؛ لكن الكلمات التي أدلى بها مسؤولو الجهات الشريكة في مشروع الربيع وفي إحداث مركز ابن خلدون لدراسات الهجرة والمواطنة انعتقت من عقال التحفظات الرسمية وانخرطت في فتح مسالك التفكير في سبل تجويد التعاطي مع الاشكاليات المطروحة على صعيد الهجرة وآليات النهوض ببنيات البحث في هذا المجال.

كان ذلك شأن المداخلات التي ألقاها عبد الله بوصوف، أمين عام مجلس الجالية المغربية، وهو يعبر عن حاجة حقيقية إلى الاستضاءة برؤى الباحث الجامعي في صياغة برامج وسياسات أكثر نجاعة وتفاعلا مع واقع معقد ومتحول؛ وجمال الدين الهاني، عميد كلية الآداب بالرباط، الذي سبق غيره إلى القيام بنقد ذاتي شديد للمنظومة الجامعية البيداغوجية والمؤسساتية في مجال البحث العلمي. انضم إليه عبد اللطيف كيداي، عميد كلية علوم التربية بالرباط، في جلسة تقويمية فائقة الصراحة لأعطاب نظام إدارة البحث العلمي من خلال وحدات الماستر في الجامعة المغربية.

أما الدبلوماسي والجامعي المختار غامبو، فقدم درسا افتتاحيا أصبح مرجعا يحال إليه طيلة أشغال المؤتمر، مازجا بين التجربة والعتاد النظري القوي، مسافرا بين الأزمنة مستدعيا مفاهيم الهجرة وأبعادها منذ هجرة الإسلام الأولى مرورا برحلات ابن بطوطة وتجربة مصطفى الزموري (استيبانيكو)، الأسمر المغربي الذي كان أول إفريقي يحط الرحال بجنوب الولايات المتحدة، واليهودي المغربي الذي دخل مجلس الشيوخ الأمريكي في القرن التاسع عشر. مداخلة غامبو، الذي دعا إلى تملك المفاهيم في صياغة علاقة الذات بالآخر دون عقدة دونية، قدمت نموذجا للتحليل المتعدد المقاربات حيث يتجاور الأدب مع العمق الأنثروبولوجي والتفكيك السوسيولوجي والمقارنة التاريخية.

خلف هذه الفعالية العلمية تنسيق وإعداد، وسهر على أدق التفاصيل اللوجستية إلى الترتيبات البيداغوجية، دبيب لا يفتر، وتواصل لا يكل بابتسامة يقين وشغف بهذا الصرح العلمي الذي ينتصب مستندا على جسر خلاق يجسد الإمكانيات المتاحة على صعيد الشراكة بين الجامعة العمومية والمؤسسات الجامعية الخاصة التي تشكل “الأخوين” نموذجا لها. هو عبد الرحيم العطري حاملا روح الجامعة المغربية وإرادة الإنجاز التي نبتت في مناخ صعب، منضما إلى عبد الكريم مرزوق، الذي يشغل مسؤول الشراكة في جامعة الأخوين، بخطوة خارج الأسوار يمد اليد نحو المجال البحثي العمومي من أجل مشروع علمي وطني يقدم خدمة عامة ويجدد آليات النقاش ويعزز المكتبة المغربية بإصدارات محكمة ويفتح الآفاق أمام شباب الباحثين في مجال الهجرة وربما في مجالات أخرى مستقبلا. هذا الثنائي الدينامو جسد، بالفعل، الإمكانيات المتاحة في الفعل التشاركي التكاملي.

لم ينس المنظمون رواد البحث السوسيولوجي الذين بات لهم تلامذة يحملون مشعل التكوين والتأطير في حقل العلوم الاجتماعية. مفعمة بمشاعر الاعتراف، جاءت الفقرة الختامية للمؤتمر وهو يحتفي بحسن قرنفل وأحمد شراك محفوفين بجمع من مجايليهما وتلامذتهما.

برمجة دسمة وجلسات متوالية لم تله المنظمين عن فتح نافذة ذكية على إبداع فني يعد بحق لوحة انعكاس لجل القضايا التي تشغل باب الباحث في العلوم الاجتماعية. دعي المخرج نوفل براوي إلى عرض فيلمه “يوم وليلة” الذي يتناول قصة رحلة اضطرارية قصيرة من القرية إلى المدينة لامرأة تجرب التيه في مجاهل المدينة الغول: الدار البيضاء.

تحول اللقاء إلى جلسة لإنتاج المعرفة حول دور السينما في إغناء نظرة السوسيولوجي؛ بل إن الباحث عثمان أشقرا أعاد الحاضرين إلى فكرة أن السينما ولدت سوسيولوجية بامتياز حين رصدت كاميرا الأخوين لوميير مشهد خروج العمال من المصنع، قبل أن يستعيد الناقد والمخرج عبد الإله الجوهري شريطا حافلا من قصة السينما المغربية مع السؤال السوسيولوجي الذي انفتح على قضايا عديدة؛ من قبيل الهجرة والمرأة والاندماج والتطرف، متحدثا عن هوة يتعين ردمها بين الباحث الجامعي والسينما بوصفها أكثر من مادة للتسلية، فعل تأملي عميق في الظواهر والاختلالات.

في إفران، ثمة وليد مشتد العود يستحق الرعاية والتعهد، يمنح الباحث المغربي فرصة التعبير عن ذاته ويمد جسورا واعدة بإبداع علمي عملي الأثر، وينهض بمشروع يشعل شمعة بدل لعن الظلام الذي يلف فضاء جامعيا ينبغي أن يظل أفقا للربيع تزهر فيه قيم العطاء والتنافس والبناء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى