الحجمري يستغور أبحاث محمد مفتاح .. توافقات بين المقولَة والإحساس

قال عبد الفتاح الحجمري إن جلّ أبحاث محمد مفتاح انشغلت بدراسة النص الأدبي اعتمادا على منهجية تصنيفية غايتها إقامة البرهنة على توافق الإحساس مع المقولة، من غير إهمال للأنساق الإيديولوجية المصاحبة للإبداع الرمزي والتخيّلي في ذاكرة الأفراد والشعوب، بما هي مقياس لرصد القيم وتغيّرها.

وأضاف الحجمري، في مقال معنون بـ”توافق الإحساس مع المقولة”، أن محمد مفتاح كان يعتبر أي تفكير في “علم الأدب” ضرورة اجتماعية، ودافع عن مبدأ تفاعل الثقافات وتداخلها واقتراض بعضها من بعض بدون قيود وشروط.

إعلان

وهذا نص المقال كما توصلت به جريدة Alhayat24:

بذخيرة نقدية خصبة ومتناسقة، اختار المرحوم الأستاذ محمد مفتاح أن يسائل جملة من الأنساق الثقافية العربية، كلاسيكية وحديثة ومعاصرة، بنت مدارها النظري حول مجالين أساسيين: المعنى وإمكان تأويله. وبهذا تمكّن محمد مفتاح من إنشاء حوار منهجي عميق بين العديد من النظريات التي تحيل على الدراسة التاريخية للنصّ الأدبي وجدوى تحقيقه؛ وكذا التناول البنيوي والشكلاني والسيميائي ونظرية التواصل، والتحليل البلاغي واللساني، والتداولية الدينامية، والمنطق والرياضيات إلخ…

وشكّل البحث عن الأسس والحدود والعلاقات خلفية إبستمولوجية وفلسفية لمجمل ما كتبه محمد مفتاح من أبحاث، وعرض له من قضايا على المستوى النقدي، وفي علاقته بالمجال التاريخي والاجتماعي والسياسي المحيط بتشكّل النصّ الأدبي بوصفه معرفة ثقافية.

قيمة هذا التصوّر مفيدة ومضيئة لأنها ترهن مقدمات التحليل، واختبار منهج المقاربة باستيلاده من النصّ نفسه، أو استيراده من المعرفة النظرية. من هنا، يستند هذا التصوّر إلى أولوية القصدية على الموهبة، وهو تصوّر يحيل على إشكالية أعمّ كثيرا ما طالعتنا بصدد الاهتمام بضبط المفاهيم، سواء في الأبحاث العلمية أو الاجتماعية والسياسية، وعبر الاحتكام إلى تصوّر نظري مكرّس لعلّه قابل للتعديل حين يتعلق الأمر ببحث التحققات المشتركة بين النصوص، وإن اختلفت الفضاءات الثقافية أو تعددت…

من هذا المنظور، كان محمد مفتاح يؤكد دوما أن مقاصد النصّ لا تدرك إلا “بالقراءة التحليلية التي لا تعير الاهتمام إلى المواضعات الفنية التي صيغ بها النص”؛ بحيث لا تفصلها عن المدارات المعقدة للفرد أو للإنسان في علاقته بعالم القيم والأخلاق؛ مثلما لا تقرنها بتحليل تقني يتشبث بوهم علمية يتوق إليها نقد النص بجدلية ونسبية.

بهذا المعنى، تتلازم “القراءة التحليلية” في أبحاث محمد مفتاح بتقديم ممارسة نقدية تستعين بالعديد من آليات تحليل الخطاب وفلسفة التأويل والتأريخ الثقافي المقارن؛ مدار اشتغالها أعمال أدبية وفكرية ينطلق منها لإضاءة البنيات الدالة واستنباط قوانينها وأقيستها وتمثيلاتها، لذلك تراه ينطلق في تحديده لمفهوم النصّ وقواعد قراءته من تصوّر بالغ الأصالة والعمق، فكلّ بحث من أبحاثه رحلة فكرية داخل التاريخ والأدب والبلاغة والفلسفة والمنطق والتصوّف، مثلما هي قواعده التحليلية: دراسة نظرية وتطبيقية، تنظير وإنجاز، مقاربة نسقية، منهاجية شمولية، تأويل واقعي، نقد معرفي ومثاقفة، قراءة وتنظير، مقالة في البنيات العميقة…

لم ينشغل محمد مفتاح بتحليل المعنى في حدّ ذاته، بقدر ما كان يسعى إلى مساءلة السياقات التي تساهم في إنتاجه؛ لأجل ذلك اختار تصورا منهجيا مقارنا لا يكتفي بالوقوف عند البنيات السطحية للنصّ، بل ينفذ إلى عمقه وقصده، وإلى تركيبه وتاريخه (كما هو الشأن مثلا مع العديد من المفاهيم المستقاة من مجالات البيولوجيا والفيزياء ونظرية العوالم الممكنة).

من هنا مصدر اعتناء محمد مفتاح بتحديدات وتعريفات وتفريعات المفاهيم، وحرصه على اختيار ما يناسب المقام ويلائم المقال، ويدعّم الاستدلال ويقوّي البرهنة؛ من ثمة انتصاره لمبادئ التدرّج والترتيب، والانفصال والاتصال، والتشابه والاختلاف، والتماثل والتأويل، والتنسيق والتفاعل، والاشتراك والتشعب، والانشطار والتعقيد، والفوضى والانتظام، وإلى غيرها من المفاهيم … لا بغاية تطبيقها على نصوص معلومة من الأدب والبلاغة والتصوّف، مثلا، بل من أجل تجذير فكرة أن تصنيف العلوم وترتيبها وتدريجها ليس عملية اعتباطية، وإنما لهذه العملية مغاز ومرام بما هي دعوة لممارسة فلسفة نقد الفكر وتعيين الشروط الملائمة لممارسة التأويل على مختلف الأنساق الثقافية المميزة لجوهر التجربة/التجارب الإنسانية.

كان محمد مفتاح يعتبر أي تفكير في “علم الأدب” ضرورة اجتماعية؛ بهذا المعنى كان يدافع عن مبدأ تفاعل الثقافات وتداخلها واقتراض بعضها من بعض بدون قيود وشروط، ولا شكّ أن تركيزه في العديد من دراساته على مبدأ تفاعل الثقافات مكنه من صياغة نموذج في قراءة النصوص قائم على فلسفة التماثل، على أساسها يتمّ “إيضاح تماثل آليات التفكير البشري لتماثل بنياته الذهنية، وإيجاد علائق وصلات بين كل ما في الكون حتى تنتشر روح التعاون والتسامح والأخوة، وتُقلّل النزعات العرقية، ويخفف التعصب الفكري والديني”.

كان محمد مفتاح منشغلا، في جلّ أبحاثه، بدراسة النص الأدبي اعتمادا على منهاجية تصنيفية غايتها إقامة البرهنة على توافق الإحساس مع المقولة، من غير إهمال للأنساق الإيديولوجية المصاحبة للإبداع الرمزي والتخيّلي في ذاكرة الأفراد والشعوب، بما هي مقياس لرصد القيم وتغيّرها.

من هنا أيضا اعتناؤه بما كان يدعوها في أبحاثه “بمقتضيات الأحوال” في قراءة الأنساق الثقافية، والعلمَ بأن “النسق ليس مفتوحا إلى ما لا نهاية، ولكنه مسيّج بحدود من وضع المحلل المتفاعل مع محيطه والمعتمد على تجربته الثقافية وكفاياته النظرية والتخييلية”، وأن بناء المعرفة يكون ضمن الفضاء المؤمن بالتعدد والتنوّع، والاختلاف والمماثلة، والتفارق والتناظر والتعدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى