فيلم زقاق الكوابيس لـ”غييرمو ديل تورو” .. إمتاع العين وإشباع الأذن

هذا كادراج هتشكوكي في فضاء ديناميكي تكدح فيه شخصيات متباينة الأمزجة لتكسب رزقها، وهذا مبرر كاف لتتبعها الكاميرا… هناك اشتغال عميق كثيف على خلفية اللقطات بالضوء الخافت واللون الحالك واستثمار النوافذ المفتوحة للإخبار بما يجري في الخارج، وهذا ما وسّع ومدّد أفق التصوير الداخلي…

في فيلم “زقاق الكوابيس”2021 للمخرج غييرمو ديل تورو. بجانب قوة الصورة، هنالك إشباع للأذن أيضا، يمكن الإصغاء للشريط الصوتي مستقلا ليظهر ثراؤه، خاصة أثناء التصوير في خيام يهطل عليها المطر.

إعلان

كيف كانت التسلية قبل ظهور التلفاز ويوتيوب ومنصات المشاهدة؟.

جاء المخرج المكسيكي الذي يعمل في هوليود بالجواب عن عالم السيرك، الذي وفر منجم خدع بصرية كثيرة للسينما. يقدم ديكور السيرك رسوما لما يجري في الداخل على أبواب خيام الفرجة… رسومات تشبه ستوري بورد (مخطط القصة على الورق قبل التصوير). يعرض السيرك والفيلم اختبار أجساد الممثلين والحيوانات… وقد اقتبست السينما كوميديا السيرك في بداياتها، وكان شارلي شابلن رائدا في استخدام الإيماء وحصل على نجاح فني ومالي مدوّ، حتى إنه تقاعد مبكرا وأقام في سويسرا.

وتقدمت فرجة السيرك بفضل اختراع الكهرباء وتطور الميكانيكا… وتقدمت السينما بفضل تطور تقنيات التصوير، لكن المحتوى واحد: يقف الممثل الكوميدي في السيرك على الخشبة ويتحدث وهو يستثمر خبرته في جلب الجمهور، لأن اقتصاد السيرك عماده شباك التذاكر، ولا يتلقى أي دعم… وهذا تحد فني كبير.

كانت تسليةُ الشعب منهكة بدنيا، في كل مرة يقف البطل أمام الجمهور… كان عرض مجنون مقيد مسليا للشعب العدواني الذي يدفع من جيبه ليرى مجنونا في قفص… ابتسم الحظ لبطل الفيلم (أداء برادلي كوبر) فانتقل من تسلية الفقراء إلى تسلية الأغنياء… تمكن البطل الطّموح من تحقيق هدفه، لكن جشع الروح الإنسانية لا حدود له… وهنا يتقرر مصير صياد النعام.

ما مصير الفنان الذي يستغل فنه للارتزاق؟ الفن وعد بالسعادة وليس وسيلة للانتهازيين.

صياد النعام حكاية عتيقة عن البشر والحيوانات، وهذا هو مجال اشتغال غييرمو ديل تورو الذي صور حكاية “صياد الغيلان” (سلسلة رسوم متحركة من ثلاثة مواسم على نيتفليكس، 39 حلقة)، بمنح شخصياتها ملامح منحوتات حضارة الأزتيك. وقد حضرت هذه المرجعية في فيلم “شكل الماء”2017 المتوج بالأوسكار، وفيه نرى الوحش المعشوق يشبه تمثالا أزتيكيا يستعد لتناول البيض. وحضرت المرجعية في فيلم “زقاق الكوابيس” في الدمية المحنطة في قارورة وفي ديكورات السيرك ودُماه. وهذا تقليد فني عريق لدى المخرجين الذين يبنون لغة سينمائية خاصة بهم. لتوضيح هذا التناص البصري بين النحت والسينما سبق لأندري تاركوفسكي أن استعار أيقونات الراهب النحات أندري روبليف (1360- 1427م) في فيلم أندري روبليف 1966، ومن منحوتات روبليف جاء مشهد الشجرة الوحيدة على هضبة في أفلام تاركوفسكي، وقد اقتبس مئات المخرجين هذه اللقطة.

لقد حول المخرج المكسيكي الحكايات إلى أفلام ومسلسلات فمنح الأحجار القديمة حيويّة على الشاشة، وهذا ما خلق هوية فنية قوية لأفلامه…اتخذ من نحت الأزتيك مرجعية بصرية لشخصيات أفلامه… في طبعة “زقاق الكوابيس” 1947 كانت الخلفية فرعونية بالأبيض والأسود، وفي فيلم غييرمو ديل تورو خلفية بالألوان بإضاءة ساحرة. وليس صدفة أن الفيلم مرشح لجوائز “جمعية المصورين الأمريكية” بجانب أربعة أفلام أخرى. جرى في فيلم تورو إشعال أكثر من عشرين سيجارة لتصوير وميض الفسفور في عود الثقاب المنقرض حاليا… تكرار غير ممل لأن مدير التصوير ماهر وقد التقط الحدث من زوايا مختلفة.

الإخراج ترجمة سينمائية للحكاية الأدبية، ترجمة بصرية للسيناريو، ليُرى، هو ابتكار معادل موضوعي بصري للحدث، للحكاية حين جعل المخرج بطل شكل الماء الخرافي يشبه منحوتة الأزتيك في فيلم “شكل الماء”.

الماء لا شكل ولا طعم وله، لكن غييرمو ديل تورو منحه شكلا ومنح السينما المكسيكية أفقا عالميا مستمرا… بجانب أليخاندرو غونزاليز إيناريتو وألفونسو كوارون، لم يكْتف غييرمو ديل تورو بالأوسكار وبالمقالات النقدية بل حققت أفلامه نجاحا جماهيريا، وهذه هي أكبر جائزة لأي مخرج.

كان القزم صديقا ومساعدا في “زقاق الكوابيس”، بينما كان عدوا في الموسم الأول من سلسلة “صائد الغيلان”. هنا اقتحم غييرمو ديل تورو التحدي الأصعب، وهو الحكي للأطفال، وقد جرّبه بيئة تعليمية عصرية… ويسترجع الحكي الزمن الماضي حين تدْخل الشخصيات متحفا مجاورا… وفي الحلقة الثالثة درس عملي: قبل أن تُقاتل يجب أن تعرف لماذا تقاتل. يصرخ مطارد القزم: يا مِنشاري الجميل.

يتميز سرد الحكايات الشفوية باقتصاد رهيب، في سطرين تنتهي الحكاية وتكون الرسالة وصلت واللغز تحلّل، واكتشف المتلقي موقعه في الحكاية. لقد انتقل هذا الاقتصاد في الحكي إلى الإخراج.

على صعيد الكاستينغ تمت إدارة الممثلين ليظهر الفعل ورد الفعل الصادر عن العقل الباطن، تظهر حركة وتجاوب وحوار وصدمة، تظهر انفعالات متبادلة ناتجة عن الصراع، صوّر المخرج الممثلة المسرحية الكبيرة كيت بلانشيت بطريقة مذهلة ليعرض عجرفة رهيبة تخفى سرا… أظهر المخرج سِمات الشخصيات من خلال صلاتها، صوّر علامات الصلة لا الشخصية، صور مشاعرها تجاه من حولها، هنا تَعرض الكاميرا روح الشخصية لا وجهها فقط.

على صعيد اللقطات يتشكل المشهد كما في الرسوم المتحركة. هناك مشهد قار يتحرك فيه عنصر واحد فقط.. يتتبع المصور نقطة واحدة يعمل على اختبارها وتعميقها بعد النصف الثاني من الفيلم. كما في الحكايات الشفوية، يبدو النصف الثاني من الفيلم كنقيض للنصف الأول. ما كسبه البطل في النصف الأول يخسره في النصف الثاني.

هذا البحث البصري والحكي الإنجيلي والتصوير التشكيلي هو ثمرة عمل طويل وليس نتيجة صدفة ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى