تاسريرت .. منطقة أمازيغية منسية بجبال الأطلس الصغير تنشد التنمية

تشتق تسمية “تاسريرت” من كلمة “تاسرا” التي تطلق في قاموس اللغة الأمازيغية على نبات ﺷﺒﻪ ﺻﺤﺮﺍﻭﻱ كان يستعمل قديما كمادة لغسل الأواني وتنظيف الملابس، ﻗﺒﻞ صنع ﺍﻟﺼﺎﺑﻮﻥ ﻭمساحيق ﺍﻟﻐﺴﻴﻞ، نظرا لاحتوائها على مواد منظفة.

أما على مستوى التقسيم الإداري للمغرب فإن “تاسريرت” جماعة قروية تابعة لنفوذ إقليم تزنيت، وتوجد بجبال الأطلس الصغير ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﺭﺗﻔﺎﻉ ﻳﺒﻠﻎ ﺃﻗﺼﺎﻩ 2350 مترا ﻋﻦ سطح ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﻭﺗﺤﺪﻫﺎ شمالا ﺟﻤﺎﻋﺘﺎ أﻣﻠﻦ ﻭﺃﻳﺖ عبد الله، وجنوبا ﺗﺎﺭﺳﻮﺍﻁ ﻭﺃﻓﻼيغير؛ فيما تحدها بلدية تافراوت من الجهة الغربية بمعية تارسواط.

googletag.cmd.push(function() { googletag.display(‘div-gpt-ad-1608049251753-0’); });

وتصنف تاسريرت ضمن ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ جماعات مغرب ما بعد الاستقلال، إذ ﺃﺣﺪﺛﺖ ﺳﻨﺔ 1959، وتتكون من 24 دوارا تضم تعدادا سكانيا يبلغ 1477 نسمة، تعتمد بشكل كبير على الأنشطة الفلاحية والتجارية والبناء لضمان قوتها اليومي، وتتكون من 505 أسر موزعة بين 606 ذكور و871 أنثى، حسب الإحصاء الأخير للمندوبية السامية للتخطيط.

وكغيرها من الجماعات المجاورة تعيش تاسريرت جملة من الإشكالات التنموية، خاصة على مستوى الجانب المتعلق بالبنيات التحتية التي تعتبر الطرق من أبرزها، لما تتسبب فيه من عزلة تامة لبعض الدواوير في فصل الشتاء، بسبب فيضان الوديان وتساقط الثلوج، إضافة إلى افتقارها إلى عدد من المرافق ونقص التجهيز والهيكلة التي كانت سببا مباشرا في ركود السوق الأسبوعي للمنطقة، وتراجع الإقبال عليه بشكل لافت عكس ما كان عليه في السابق.

وفي مقابل ذلك فإن المنطقة تمكنت من الاستفادة من الربط الشامل بشبكة الماء والكهرباء بعد تعميمها مؤخرا على دواري بوامان وفوغال، رغم النقص الذي يعرفه الماء الصالح للشرب في فصل الصيف بسبب الجفاف وندرة التساقطات المطرية، وهو ما تعوضه الجماعية بمد بعض الدواوير بالصهاريج المائية لتخفيف الضغط على الآبار، على عكس قطاع الصحة الذي يختزل بتاسريرت في مستوصف وحيد يضطر معه السكان إلى التنقل نحو تافراوت وتزنيت قصد الاستشفاء لتعويض النقص الذي يعرفه على المستوى المحلي.

كما تعاني الجماعة ذاتها من مشكل الهجرة القروية صوب المدن، بحثا عن فرص الشغل وتحسين الوضعية المادية، وهو ما أثر سلبا على عدد من الدواوير التي أصبحت شبه فارغة من السكان، وبالتالي إغلاق عدد من الفرعيات المدرسية.

شبح الصحة والتعليم

في هذا الإطار قال خالد أبوشهبه، فاعل جمعوي ونائب رئيس جماعة تاسريرت: “إن المستوصف المحلي رغم ما يقدمه من خدمات إلا أنه لم يرق بعد إلى تطلعاتنا كمجلس وكساكنة، ومازال يعاني من نواقص، خاصة في جانب التجهيز والكوادر الطبية، إذ كان محل مراسلات عديدة إلى الجهات المعنية قصد تجويد عرضه الصحي”، مشيرا إلى أن “الأمر ذاته يعتري قطاع التربية والتعليم، بعد غلق الجهات الوصية معظم الفرعيات بسبب هجرة الساكنة، رغم تدارك الأمر بتوفير النقل المدرسي للتلاميذ للالتحاق بمدرسة المركز ضمانا لاستمرارية تحصيلهم الدراسي”.

وأوضح أبوشهبه، في تصريح لجريدة الحياة 24، أن “المجلس الجماعي في عمل دؤوب ومتواصل ليكون في مستوى تطلعات الساكنة التي وضعت ثقتها فيه رغم الصعوبات والعراقيل، إذ إنه في ترافع دائم لإخراج المشاريع إلى حيز الوجود، سواء في السنوات الأولى من الولاية الحالية أو في الوقت الراهن، بعد الإنجاز الذي تم مؤخرا لمجموعة من الأوراش المتعلقة بالماء وتبليط مداخل المداشر، وأيضا ملعب القرب، وتهيئة المركز وغيرها”.

معضلة الرعاة الرحل

وبخصوص ظاهرة الرعي الجائر أشار أبوشهبه إلى أنها “تطرح دائما في الأوساط المحلية، إذ تعيش المنطقة عدة مشاكل بسبب استفحالها؛ فقد تحولت تاسريرت من محطة عبور إلى منطقة استقرار لها، ما أفرز في السنوات الأخيرة صراعات بين الساكنة والرحل بعد تسجيل اعتداءات على حرمة المنازل وأملاك السكان وإتلاف مزروعاتهم”، وفق تعبيره.

وأوضح المتحدث ذاته: “تحاول الجماعة في حدود اختصاصها التصدي للظاهرة، ومنع انتهاك حقوق الساكنة، خصوصا أن مشروع الترحال مازال محاطا بعدد من الصعوبات في تنزيل مشاريعه الموازية. والحوار مع ذوي الحقوق مستمر للوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف، وتضمن حقوق الساكنة وتحفظ ممتلكاتها”.

الطرق تعرقل السياحة

أوضح المتحدث ذاته أن “أبرز إكراه يؤرق مضجع الجماعة وساكنتها في فصل الشتاء هو تردي حالة الطرق، ما يتسبب في عزلة الدواوير وانقطاعها عن المراكز الحيوية، كالأسواق الأسبوعية والمراكز الصحية وباقي المرافق، ما يدفع المجلس الجماعي بشكل روتيني إلى العمل على فك هذه العزلة وتقديم المساعدات المختلفة للساكنة وتلبية احتياجاتها، إضافة إلى تشكيل لجنة لليقظة لمتابعة المستجدات عن كثب واتخاذ القرارات الملائمة بتنسيق مع المسؤولين والسلطات المحلية”.

“نعم تاسريرت وجهة سياحية بامتياز تستهوي هواة السياحة الجبلية، وتضم عددا من الأماكن التي تستحق الزيارة في كل الفصول وليس في موسم كالثلوج فقط، لكن لا يمكن الحديث عن الاستثمار في الجانب السياحي في ظل غياب البنيات التحتية، خاصة الطرق التي تحول دون الوصول إلى عدد من الوجهات المغرية، كواحة تيزركين والموقع الأثري لدوار إغير ووريز على سبيل المثال؛ لذلك فالأولوية هي لتعبيد الطرق وفك العزلة عن الدواوير، وبعدها سيتغير الوضع للأحسن، وحينئذ يمكن التفكير في العمل على تنزيل نماذج جديدة من المشاريع حال توفر شروط إقامتها”، يضيف خالد أبوشهبه.

الحسابات تؤجل التنمية

في حديثه عن إكراهات تاسريرت يقول أبوشهبه أيضا إنها تعاني من “الحسابات السياسية الضيقة التي أفرزت ظهور صراعات قسمت المجلس الجماعي، وكانت وراء محاولات نسفه في أكثر من مرة، بسبب طغيان المصلحة الشخصية على العامة، باعتباره من الأسباب الرئيسية التي تنتج انشقاقات في الهيئات المنتخبة، مهما بلغت درجة انسجامها”.

وتابع المتحدث موضحا: “من خلال تجربة المجلس الجماعي الحالي عايشنا ذلك عن قرب، وقاومنا كل تلك المحاولات، وتصدينا لها بالحوار، باعتباره الوسيلة الناجعة لبلوغ أسمى الغايات، وهي الوصول إلى توافق وإجماع يخدم تنمية الجماعة ويحول دون توسيع هوة الصراع لتجنب التعثر التنموي”.

دور المجتمع المدني

وأكد أبوشهبه أن النسيج الجمعوي يبقى عنصرا فاعلا في التنمية المحلية، إذ تمكن حسب إمكانياته من المساهمة في الدفع بعجلة التنمية بعدد من الدواوير، وزاد: “تاسريرت محظوظة بتواجد عدد مهم من الجمعيات النشيطة في الميدان، التي بفضل تحركاتها استطاعت إخراج عدد من المشاريع للوجود”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “المجتمع المدني يقوم على الدوام بعمليات إنسانية وإحسانية، ودوره كان جليا في المرحلة الوبائية التي تمر منها بلادنا؛ إضافة إلى عمليات أخرى ساهمت في فك العزلة وتقديم العون للساكنة، خاصة في فصل الشتاء وشهر رمضان الفضيل، والدخول المدرسي، إلى جانب أمور إيجابية أخرى كثيرة لا ينكرها إلا جاحد، وهذا يعكس تنامي وعي الساكنة بأهمية العمل التطوعي ودوره الفعال في الدفع بقاطرة التنمية”.

الأمل في الشباب

في ختام تصريحه للحياة 24 أشار خالد أبوشهبه إلى أن “تاسريرت تحتاج إلى سواعد أبنائها ومجهوداتهم للمساهمة في إحراز التنمية وتغيير واقعها للأفضل، ولن يتأتى هذا إلا بتضافر جميع الجهود من كافة الجهات، جمعيات وأعيانا وجماعة ومؤسسات مختصة، موردا: “الأمل كله معقود في الشباب وفي انخراطهم في العمل السياسي والجمعوي لضخ دماء جديدة من خلال قيادتهم للتغيير المنشود، الذي نترجاه جميعا”.

كما دعا أبوشهبه مختلف المصالح الخارجية إلى “مضاعفة الجهود المبذولة ومواكبة المجالس الجماعية لإنجاز مهامها وتحقيق الفعالية في أدائها، عبر مد يد العون لتمويل المشاريع ورفع التحديات وكسب الرهانات وتذويب الفوارق والإكراهات التي تحول دون تبوّء هذه الجماعات المراتب التي تستحقها”.

تاسريرت .. منطقة أمازيغية منسية بجبال الأطلس الصغير تنشد التنمية Hespress – الحياة 24 جريدة إلكترونية مغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى