فيلم "هاي جراوند" .. الحروب العنصرية المنسية في تاريخ أستراليا

يقدم المخرج الأسترالي ستيفن ماكسويل جونسون عبر شاشات العرض السينمائي جزءا قاتما من ماضي بلاده جرى تجاهله على نطاق واسع: المذابح التي تعرض لها السكان الأصليون على يد المستوطنين البيض، والحروب العنصرية التي أثاروها ضدهم.

وقد استغرق الأمر من جونسون عشرين عاما حتى حقق خططه في تقديم فيلم “هاي جراوند” (أرض مرتفعة)، الذي استوحى قصته من الأحداث التي أحاطت بمذبحة تعرضت لها قبيلة “يولنجو”، من السكان الأصليين، في عام 1919 وما تلاها من فظائع.

googletag.cmd.push(function() { googletag.display(‘div-gpt-ad-1608049251753-0’); });

وقال جونسون لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): “لم أستطع تحقيق ذلك آنذاك (تسعينات القرن الماضي)… لم يكن أحد على استعداد لذلك. لم يكن أحد يريد أن يعرف شيئا عن المذابح”.

وتنطلق العروض العالمية لفيلم “هاي جراوند” في أستراليا في الأسبوع الجاري، بعد عرضه الأول في مهرجان برلين للسينما العام الماضي. ويركز الخط الدرامي للفيلم على الآمال الحالية من أجل إحداث تغيير في البلاد.

ويأتي عرض الفيلم في الوقت الذي تجتاح فيه تداعيات أزمة وباء كورونا دور العرض السينمائي في أنحاء العالم، بعدما جرى تأجيل إطلاقه طوال الشهور الــ12 الماضية.

ويضيف المخرج جونسون، الذي ينحدر من الإقليم الشمالي في أستراليا: “كانت رحلة طويلة للغاية”.

ويتبع “هاي جراوند” النمط الغربي في أفلام الإثارة، ويضم، لأول مرة، ممثلين من السكان الأصليين، مع بعض من أشهر الأسماء في السينما الأسترالية.

تدور أحداث الفيلم في المناطق الشاسعة المفتوحة والوعرة بشمال أستراليا، ويتناول أعمال العنف التي وقعت في هذا الوقت دون تردد.

وقالت مجلة “فارايتي” الأمريكية المتخصصة في مجال الترفيه، إن هذا كان ملائما “لقصة مذبحة تكررت مرات عدة قبل أن يُجبَر البيض في أستراليا على الإقرار بالملاك الأصليين لأراضيهم”.

وذكر باحثون من جامعة “نيو كاسل” الأسترالية أن الهجمات التي استهدفت السكان الأصليين بدأت بعد فترة قصيرة من وصول المستوطنين البيض إلى البلاد في عام 1788، حيث شهدت أستراليا حوالي 310 مذابح على مدار 140 عاما.

وشدد جونسون على أن المذابح حدثت “وعلينا أن نعترف بها… لن نستطيع أن نواصل الطريق حتى نتعامل معها”.

ومنذ عهد قريب، مد العديد من الزعماء السياسيين في أستراليا أياديهم للمصالحة مع مجتمعات السكان الأصليين.

وفي عام 2008، أصدر رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفن رود، زعيم حزب العمال آنذاك، اعتذارا رسميا للسكان الأصليين في البلاد بسبب الترحيل القسري لأطفالهم بعيدا عن عائلاتهم.

وفي وقت سابق الشهر الجاري، أعلن رئيس الوزراء الحالي سكوت موريسون، من حزب المحافظين، تغيير كلمة في النشيد الوطني للبلاد ليعكس النشيد تاريخ السكان الأصليين.

ولكن، لا تزال حالات القتل التي تقع لأفراد من السكان الأصليين أثناء الحجز من قبل الشرطة في مناطق نائية في كثير من الأحيان، مرتفعة على نحو ينذر بالخطر، رغم تراجع الأعداد في الأعوام الأخيرة.

ويتزامن عرض الفيلم هذا الأسبوع مع أحداث إحياء اليوم الوطني لأستراليا، حيث تظاهر الآلاف سعيا للحصول على مزيد من الاعتراف بالآثار التي خلفها وصول المستوطنين البيض على السكان الأصليين في البلاد.

ويقول سيمون بيكر، ممثل هوليوود، أسترالي المولد، الذي يقوم في الفيلم بدور قناص سابق يعود إلى أستراليا من الحرب العالمية الأولى ليصبح ضابط دورية شرطة: “هناك الكثير نتعلمه من ثقافة عاشت في تناغم مع الأرض على مدار 65 ألف عام”.

وتدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي، في خضم استعمار المناطق الشمالية بأستراليا، حيث يعود بيكر، أو ترافيس، بحسب دوره في الفيلم، إلى منطقة “أرنهيم لاند” النائية، لتعقب أحد الخارجين عن القانون من السكان الأصليين. وكان ترافيس غادر “أرنهيم لاند” قبل اثني عشر عاما بعدما أصابه الغضب من المذبحة التي تعرضت لها قبيلة من السكان الأصليين في عام 1919.

ويقوم ترافيس بتجنيد جوتيوك في إطار مهمة الملاحقة، بعدما كان أنقذه وهو طفل، والناجي الوحيد من مذبحة 1919، التي وقعت عندما فقد ترافيس سيطرته على قواته.

وسرعان ما يثار السؤال: من نتعقب؟

وجعل المخرج جونسون مهمته في “هاي جراوند” أن يفتح أمام مزيد من الجمهور قصص السكان الأصليين في أستراليا، وهم أنفسهم رواة حكايات وقصص بحسب تقاليد عريقة.
وترك مخرجو السينما من السكان الأصليين في أستراليا، مثل إيفان سين وارويك ثورنتون، بصمتهم على صناعة السينما العالمية، وظهروا بالتالي كقوى رئيسية جديدة في صناعة السينما الأسترالية.

وعقب الفوز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان برلين السينمائي في عام 2005، واصل ثورنتون طريقه ليحصد سلسلة من جوائز مهرجانات السينما العالمية، بينها جائزة الكاميرا الذهبية لأول عمل من مهرجان “كان”، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان “فينيسيا” السينمائي.

ويقول الممثل الأسترالي المخضرم جاك تومبسون الذي يلعب دور ضابط شرطة في “هاي جراوند”، إن الفيلم يخاطب التيار الرئيسي في أستراليا.

كما أعرب عن أمله أن يسهم الفيلم في إحداث تغيير دستوري للاعتراف بما أطلق عليه “أول أمة” في أستراليا، يقصد السكان الأصليين.

ويقول الممثل جاكوب جونيور نايينجول، الذي يقوم بدور جوتيوك في الفيلم: “سأكون أنا المستقبل.” وينحدر نايينجول من “أرنهيم لاند”، حيث جرى تصوير أجزاء من “هاي جراوند”.
ويعتقد نايينجول أن الأمور تغيرت كثيرا عن تلك الأيام الصعبة، حيث يقول: “سأكون أنا الفارق”.

فيلم “هاي جراوند” .. الحروب العنصرية المنسية في تاريخ أستراليا Hespress – الحياة 24 جريدة إلكترونية مغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى