إعادة الإعمار بعد الزلزال.. صيانة “غنى المغرب” تستوجب احترام خصائص المناطق

بعد اجتماع العمل الخاص بتفعيل البرنامج الاستعجالي لإعادة إيواء المتضررين من “زلزال الحوز”، أكّد بلاغ الديوان الملكي على ضرورة أن تتم عملية إعادة الإعمار على أساس دفتر للتحملات، بـ”إشراف تقني وهندسي بانسجام مع تراث المنطقة، يحترم الخصائص المعمارية المتفردة”.

وأوضح لالحياة 24 متخصصان في التراث المغربي المقصود من “الخصائص المعمارية المتفردة” و”تراث المنطقة” شَرطي إعادة الإعمار في المناطق المتضررة المعروفة بمعالمها التاريخية ومساكنها المتميزة.

تثمين تراث البناء المحلي ضرورة

قال جعفر الكنسوسي، رئيس جمعية منية مراكش لإحياء التراث، إن “المغرب غني جدا بتراثه، وتاريخه، وأساليب البناء لديه، وما تقرر عبر القرون أن هناك كيفيات البناء عند أهل السهل ليست كيفية بناء أهل الجبل”.

وأضاف: “جاء في التعليمات الملكية أن إعادة التأهيل والبناء ينبغي أن تتماشى مع حاجيات الساكنة، وفي صميم هذه التعليمات أن يكون الانسجام مع تراث المنطقة، وكل منهجية ينبغي أن تحترم الخصائص المعمارية لكل منطقة”.

وتابع: “إذا نجحنا في الإتيان بهذا النموذج في المناطق المتضررة، سيكون إنجازا عظيما لكل البادية الأطلسية؛ لأنها منطقة تاريخية قديمة ونعلم أن تراث المغرب فيه النسيج الحضري وهو تراث عظيم، ولكن بما أن 90 في المائة تقريبا من ساكنة المغرب إلى حدود أربعينيات القرن العشرين؛ فالتراث المبني للمغاربة حقيقة معظمه في البوادي”.

ثم زاد شارحا: “بل أكثر من هذا، إن الزلزال المهلك ضرب عمق المغرب التاريخي؛ وهناك مربع خلف فيه الزلزال خسائر مريعة في الأرواح والمَعلمات: مربع مراكش، تينمل، أغمات، تارودانت. وهو مربع متجذر عميقا في تربة التاريخ؛ حيث نشأت فيه دول المرابطين بأغمات، والموحدين بتِينمل، والسعديين بتارودانت منطقة سوس”.

إذن؛ “هناك كم هائل من التراث القديم، المتفرد، ولا ينبغي أن ننزل ما أنجزه المغاربة في السنوات الستين الأخيرة على الجبل، ونستعمل الخرسانة بكثرة مجحفة؛ فالعالم كله يتجه اليوم إلى تثمين المواد البديلة الطبيعية في البلاد، ولا يحسن بنا اتخاذ وجهة معكوسة باستعمال الخرسانة المهلكة للبيئة وتقاليدنا في البناء”، وبالتالي: “يجب أن يفرض التراث نفسه على الجميع وأيِّ منهجية نتبناها في إعادة الإعمار”.

تطوير الخصوصيات المعمارية ضرورَةٌ للاستدامة

لحسن تاوشيخت، باحث أثري بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، ذكّر بأن “لكل منطقة خصوصياتها البيئية، التي تؤثر على خصوصياتها المعمارية، ويجب دائما أخذها بعين الاعتبار؛ فللعمارة الطينية والترابية خصوصيتها ومكوناتها، التي تميزها عن عمارات أخرى في المناطق الجبلية والساحلية والصحراوية، وفي ترميم التراث ينبغي اعتبار هذه المكونات البيئية الطبيعية، وإلا سنرمم شيئا بشيء آخر، والأصيل لا يقبل بالغريب، وللطبيعة موازينها وتوازناتها الخاصة؛ كما يقال”.

ثم قدم المتخصص مثالا: “كل المكونات المعمارية المبنية بالتراب لا تتحمل إلا مكونات من الطبيعة نفسها، ولا تقبل مكونات مثل الإسمنت وغيره، وما وقع في فاجعة الحوز أن أغلب البنايات التي هدمت لا تستجيب للمعايير البيئية الطبيعية، وهي مكونات تعتمد على عناصر محلية طبيعية، بضوابط معمارية، تقاوم كل أشكال التلف، وإلا لما يكون الخلط بين عناصر متناقضة ومتضادة يكون المآل الاندثار”.

وأضاف: “هناك عناصر بنيت بعناصر بيئية موحدة صمدت لقرون وقرون، مثل “الكتبية” و”القرويين” و”سجلماسة” و”تامدولت”، رغم الزلازل والفيضانات والحروب. وفي بعض الأحيان عندما تتدخل جهات غير مختصة في الترميم والبناء فإنها تؤدي إلى مثل الكوارث التي شاهدناها مع “مسجد تينمل” وبعض مساجد مدينة مراكش والمدينة العتيقة”.

وشدد تاوشيخت على ضرورة “الحفاظ على المكونات الطبيعية والبيئية المحلية، وتطويرها بطرق علمية دقيقة تستجيب لطبيعة المنطقة”؛ فهذا “هو الطريق، سواء في البناء أو الترميم”. ثم استرسل شارحا ضرورة “أخذ وجهات نظر المختصين الذين لهم تجربة في الميدان، فباعتبار التجربة والخبرة يمكن تفادي الكثير من الكوارث التي وقعت لتراثنا وآثارنا، حيث صرفت أموال باهظة، ولم تصمد مدن عتيقةٌ كثيرا أمام الكوارث الطبيعية”.

كما استحضر المتخصص الحاجة إلى الاستفادة في إعادة إعمار المناطق المتضررة من “الخبرات التي وصلت إليها وكالة تنمية وترميم مدينة فاس، وكذلك مركز ترميم وصيانة معمار الواحات بورزازات، ومراكز مختصة أخرى قامت بترميمات وإصلاحات، ومقاولات مواطنة لها عمل في الميدان، قامت بترميمات مهمة في مدينة فاس وقصور تافيلالت على سبيل المثال لا الحصر”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى