نهاية حكم الرئيس بونغو .. موجة جديدة من الانقلابات العسكرية تجتاح إفريقيا

يبدو أن شبح الانقلابات العسكرية عاد ليلقى بظلاله المرعبة على القارة الإفريقية، ويؤكد أن بلدانها ما زال أمامها وقت طويل للتخلص من الظاهرة التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في تكريس الفقر والهشاشة والحروب الداخلية المدمرة للحرث والنسل.

في فصل جديد من فصول المسلسل الطويل، استفاقت الغابون، الأربعاء، على وقع انقلاب عسكري وضع الرئيس علي بونغو تحت الإقامة الجبرية، وأعلن عسكريون إنهاء حكمه وفرض إغلاق لأجواء البلاد.

يأتي الانقلاب، الذي شهده البلد الغني بثرواته الطبيعية، بعد أسابيع قليلة من انقلاب مماثل شهدته النيجر؛ الأمر الذي يمكن أن يشكل وبالا على الأنظمة الإفريقية المجاورة التي يتوقع أن تفتح الأحداث الجارية شهية الجيوش في السطو على الحكم بالقوة في عدد من الأقطار عبر الانقلاب.

ويعد انقلاب الغابون العسكري السابع من نوعه في إفريقيا خلال ثلاث سنوات، إذ اكتوت بناره النيجر وبوركينافاسو التي شهدت انقلابين في ظرف 8 أشهر، والسودان وغينيا ومالي التي عرفت هي الأخرى انقلابين في ظرف 9 أشهر.

فشل إفريقي

إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية وتدبير الأزمات، اعتبر أن هذه الانقلابات تسائل “مستقبل الديمقراطية في إفريقيا، وتبرز أن الجهود التي بذلت منذ تسعينيات القرن الماضي إلى الآن لم تفض إلى إرساء مؤسسات قوية ودول مدنية تقوم على التداول السلمي للسلطة والمؤسسات”.

وأوضح لكريني، في حديث مع جريدة Alhayat 24 الإلكترونية، أن العوامل الداخلية التي يمكن الاستناد عليها في تفسير الانقلاب الذي حصل صباح الأربعاء بالغابون تتمثل في “الصراعات القائمة بين المعارضة ونظام الرئيس علي بونغو”، مؤكدا أن هذه الصراعات بدأت منذ الانتخابات السابقة عندما خرجت المعارضة للاحتجاج في مختلف أرجاء البلاد على نتائج الانتخابات التي منحت ولاية ثانية للرئيس بونغو، والتي كان الفارق فيها بين المرشحين “ضئيلا وصل إلى 5 آلاف و590 صوتا.

وتابع لكريني مبينا أنه “لا يمكن الحديث عن هذا الانقلاب دون ربطه بالسياق العام الذي تعيش على إيقاعه إفريقيا اليوم، وعودة الانقلابات بقوة”، لافتا إلى أن الصراعات الخارجية بين بعض القوى الدولية في إطار التنافس داخل إفريقيا، خاصة بين فرنسا وبعض القوى الأخرى، تلعب دورا في ذلك.

وزاد المتحدث ذاته موضحا “لا يمكن قراءة الانقلاب على أنه نتاج طبيعي للصراع على السلطة وهشاشة الإصلاحات التي قامت بها الدول الإفريقية بقدر ما أن هناك عوامل خارجية مرتبطة بصراع النفوذ، خصوصا أن الدول التي جرت فيها هذه الانقلابات كلها دول غنية بثرواتها الطبيعية إما بنفطها أو موقعها الاستراتيجي أو ثرواتها المعدنية المختلفة، كما هو الشأن بالنسبة للنيجر والسودان ومالي، وكذلك الغابون”.

أزمة الديمقراطية والاقتصاد

من جهته، ذهب أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية، في قراءته للوضع في إفريقيا، إلى أنه “يمكن الحديث عن موجة جديدة من الانقلابات العسكرية في القارة، لأن الأنظمة الإفريقية لها قواسم مشتركة فيما بينها”.

وسجل نور الدين، ضمن تصريح لAlhayat 24، أن الاقتصادات الإفريقية في البلدان التي شهدت انقلابات “اقتصادات هشة، من باب أن المواطن لا يستفيد من ثرواتها”، مبرزا أن الغابون “دولة غازية ونفطية وساكنتها تبقى قليلة مقارنة مع الإمكانيات والخيرات التي تمتلكها الغابون من معادن نفيسة أو من غاز وبترول”.

وأضاف الخبير ذاته أن البلد الإفريقي يعاني من “هشاشة ذات طبيعة أخرى في لا تشبه الهشاشة الموجودة في النيجر ومالي، وهي هشاشة النظام السياسي، لأنه غير ديمقراطي ويحتكر السلطة من طرف عائلة واحدة منذ عقود”، وزاد موضحا أن عمر بونغو حكم الغابون “حوالي 40 سنة من الحكم، وورثه ابنه علي بونغو لأزيد من 12 سنة”.

صراع دولي

بيّن أحمد نور الدين أن هناك “هشاشة على المستويين السياسي والاقتصادي من حيث عدم استفادة المواطنين من هذه الثروات النفطية”، مبرزا أن الأنظمة الإفريقية لها قاسم مشترك يتمثل في “غياب الحكامة والديمقراطية وهشاشة الاقتصاد، وتتركز الثروات في يد فئة معينة سواء داخل النظام أو التي تدور في فلكه”.

ونبه الخبير في العلاقات الدولية إلى أنه في ظل الظرفية الدولية الحالية “لا يمكن تغييب النتائج الغير مباشرة المرتبطة بالصراع الدائر داخل إفريقيا بين الصين والدول الغربية من جهة”، لافتا إلى أن موقف فرنسا “غامض نوعا ما من انقلاب الغابون، لأنه لا يمكنها إلا أن تصدر بيانا يدعم السلطات المنتخبة”.

وختم المتحدث ذاته: “لا أعتقد أن فرنسا بعيدة عما يجري في هذا البلد، واليد الخفية لروسيا التي تحاول الإطاحة بالنفوذ الفرنسي والغربي بالقارة؛ ما يجعلها ساحة لهذه المعارك الكبرى، التي قد تكون ضمن سلسلة من الانقلابات الحالية وأخرى قد تكون قادمة”، حسب تعبيره.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى