فرنسا تغازل الجزائر بأرشيف الحرب .. تكريس للتقارب أم إحراج لقصر المرادية؟

خطوة جديدة يخطوها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في اتجاه معالجة ملف التاريخ والذاكرة الفرنسية في الجزائر، الذي طالما كان سببا في حركات مد وجزر في العلاقات بين البلدين، حيث نُشر مرسوم في الجريدة الرسمية الفرنسية، أمس الأحد، يقضي بتسهيل الوصول والاطلاع بشكل أكبر على الأرشيف الفرنسي المتعلق بـ”حرب الجزائر”، خاصة فيما يتعلق منه بملفات القاصرين.

وفي وقت تسعى فيه الجزائر إلى “الحصول على اعتذار رسمي من فرنسا على ماضيها الاستعماري في بلاد المليون ونصف المليون شهيد”، أمام تعنت ماكرون الذي سبق أن صرح أوائل العام الجاري بأنه “ليس مضطرا لطلب الصفح من الجزائريين”، يطرح سياق وتوقيت هذه الخطوة الفرنسية مجموعة من التساؤلات والتكهنات بين من يراها “خطوة تكرس التقارب الفرنسي الجزائري”، وبين من يقرأها على ضوء “المحاولات الفرنسية لإحراج النظام الجزائري بملف دأب على استغلاله لخدمة أجندته”.

تهدئة فرنسية وتاريخ جزائري جديد

وليد كبير، صحافي جزائري معارض، علق على تسهيل فرنسا الولوج إلى أرشيفها في الجزائر بالقول إنها “خطوة هامة ستسمح بالوصول بشكل أكبر إلى الأرشيف المتعلق بحرب التحرير، خاصة المتعلق منه بملفات القاصرين، وهو ما شكل دائما مطلبا هاما للعديد من المؤرخين وعائلات الضحايا”.

وأضاف كبير أن “هذه الخطوة يُمكن وضعها في إطار سياسة التهدئة من طرف الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه الجزائر، الذي حاول منذ عهدته الأولى التقرب من النظام الحاكم في الجزائر”، مشددا على أنها في الوقت ذاته “ستشكل إحراجا للنظام الجزائري الذي تاجر بالذاكرة والتاريخ الجزائريين، ذلك أنه عمل على طمس الحقائق وتزوير التاريخ بما يخدم خطابه السياسي وأجندته”.

ولفت المتحدث عينه إلى أن “دمقرطة الأرشيف والسماح بالوصول إليه، أمر سيُمكن الشعب الجزائري من الوصول إلى الحقيقة التي تهمه وتهم المؤرخين وعائلات الضحايا، وبالتالي إعادة كتابة تاريخ الجزائر على أسس ووقائع تاريخية، كما سيُمكن من وضع حد لممارسات النظام العسكري الذي يريد صناعة تاريخ خاص للجزائر بما يُناسب توجهاته واختياراته الداخلية والخارجية”.

وخلص المصرح لAlhayat 24 إلى أن “هذه الخطوة التي أقدمت عليها الدولة الفرنسية بفتح أرشيفها قبل الموعد القانوني المحدد لهذه العملية، يمكن قراءتها كذلك من زاوية محاولة قصر الإليزيه استعمال هذا الملف كورقة ضغط على النظام الحاكم في ظل السياق الإقليمي المتسم بتباين أجندة الدولتين حول عدد من القضايا، ذلك أن ملف الذاكرة يبقى ملفا معقدا سيتم توظيفه سياسيا من كل طرف من أجل الحصول على تنازلات من الطرف الآخر”.

لعبة محاور ومفترق طرق

من جهته، أورد شادي البراق عبد السلام، خبير دولي في تحليل الصراع وإدارة الأزمات وتدبير المخاطر، أن القرار الفرنسي الأخير بتسهيل الولوج إلى جزء من الأرشيف الاستعماري المرتبط بالجزائر، “يندرج في إطار استراتيجية فرنسا الماكرونية للتلاعب بالمحاور الإقليمية خدمة لأجندتها الإفريقية المتهالكة، خاصة بعد النكسة الكبرى في ملف النيجر والتأثيرات المحتملة لتداعيات هذا الملف على موقعها في منطقة الساحل الإفريقي”.

وأضاف البراق أن “هذه الخطوة تخدم مصلحة النظام الجزائري الذي يبحث عن إنجازات أو تنازلات من فرنسا لتغطية فشله في عدد من الملفات الكبرى، على رأسها ملف الانضمام إلى منظمة بريكس وما يحمله قرار رفض عضويتها من تداعيات كبرى على موقع الجزائر في الخريطة الإقليمية”.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن “ملف الذاكرة تحول إلى واحد من المُنومات الفعالة التي يستخدمها النظام الجزائري لتقديم جرعات إعلامية مخدرة في إطار سياسته التضليلية لقلب الحقائق أمام الشعب الجزائري، حيث حوله هذا النظام إلى أصل تجاري يمارس به دوغمائيته لتدجين الشعب والمؤسسات والنخب الأكاديمية الجزائرية، في استمرار مفضوح لسياسة العدو الخارجي الذي يتآمر على الجزائر وتاريخها”.

وسجل البراق أن “تتبع السلوك الماكروني ينطوي على إرادة فرنسية كبيرة في إعادة الجزائر إلى الحضن الفرنسي بالمقاربات والشروط التقليدية نفسها التي تدير بها باريس علاقاتها مع مستعمرتها السابقة، حيث إن العلاقات الجزائرية الفرنسية لم تكن يومًا طبيعية ولم تتبع المبادئ الدبلوماسية التقليدية بين الدول، إذ تنطوي على حمولة تاريخية ثقيلة بنزعة استعلائية فرنسية”.

في الصدد ذاته، أشار المتحدث لAlhayat 24 إلى “وجود ملفات أخرى تؤثر على العلاقات بين البلدين، مثل التدخل في الشؤون الداخلية والمواقف المعادية للجزائر من الأراضي الفرنسية؛ هذه القضايا تولد توترًا وخلافات بين الجانبين وتعيق تحقيق التفاهم والتعاون، إضافة إلى مجموعة من التحديات الجيو-سياسية المرتبطة بلعبة المحاور الدولية، وهو ما بنت عليه مجموعة من النخب الفرنسية دعوتها لماكرون لإعادة مراجعة سياسته في المنطقة المغاربية”.

وخلص الخبير عينه إلى أن “فرنسا اليوم في مفترق طرق يُلزمها بحكم التاريخ والجغرافيا والسياسة باتخاذ مواقف واضحة حيال الملفات الإقليمية، على رأسها ملف الصحراء المغربية، فإما أن تنضم إلى معسكر التقسيم والفوضى والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الذي تقوده الدبلوماسية التصادمية الجزائرية، أو الالتحاق بباقي شركائها كالولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل لتثبيت سلام إقليمي على أساس الشرعية الدولية والسيادة المغربية، ذلك أن التقارب الفرنسي الجزائري في شروطه الحالية يشكل حالة من العطب الإقليمي ويؤثر على مسار العديد من المبادرات التنموية الجادة التي تخدم شعوب المنطقة”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى