استمرار “شغب الكرة” يجدد الدعوة إلى مقاربة شاملة ضد العنف في المجتمع

لا يرى المتتبع للشأن الرياضي في المغرب، وكرة القدم على الخصوص، حدا لما يوصف بـ”شغب الملاعب” على المدى القريب على الأقل؛ فما إن ينتهي الحديث عن أحداث عنيفة رافقت مباراة لكرة القدم في مدينة أو في أخرى، وما يتبعها من اعتقالات ومحاكمات، حتى يستقبل المغاربة خبر وقوع أحداث لا تختلف مع سابقاتها إلا في تفاصيل معدودة.

نهاية الأسبوع الماضي، كانت شوارع تطوان ومحيط ملعب “سانية الرمل” مسرحا لأعمال شغب وعنف سبقت المباراة التي جمعت بين فريقي الوداد البيضاوي والمغرب التطواني؛ ما أدى إلى توقيف 33 شخصا، من بينهم قاصرون، للاشتباه في تورطهم في حيازة الأسلحة والأدوات الحادة والراضة، واستعمالها في إلحاق خسائر مادية بممتلكات عامة وخاصة، فضلا عن التخدير وعدم الامتثال والرشق بالحجارة والعنف في حق عناصر القوات العمومية، وفق ما جاء في بلاغ لولاية أمن تطوان.

ما الحل؟

كما أغلب التفاعلات مع الأحداث المماثلة السابقة، لا يجد الكثيرون أجوبة لأسئلتهم حول هذه “الظاهرة المجتمعية” كما يصفها الباحثون في علم الاجتماع، وهي أسئلة ترتبط أساسا بأسباب هذه المظاهر المتكررة والحلول الناجعة للحد منها؛ بينما ذهب آخرون، بعد أحداث أمس على الخصوص، إلى حد المطالبة بمنع تنقلات جماهير كرة القدم بين المدن المغربية بصفة نهائية.

لكن هذا الحل يعتبر مؤقتا فقط ولا يملك المقومات للحد من ظاهرة متشعبة وصعبة المقاربة، وفق ما يراه عبد الرحيم بورقية، باحث في علم الاجتماع أستاذ بمعهد العلوم الرياضية بسطات، معتبرا أن الحل “يجب أن يكون جذريا وأعمق بكثير”.

وأضاف بورقية، ضمن تصريح لAlhayat 24، أن “شغب الكرة” يجب أن “يُعالج بمقاربة “أكثر اجتماعية، تهم الأطفال واليافعين والشباب، حتى ينفتحوا على طرق أخرى حين يتعاملون مع الآخر المختلف والمناصر لألوان أخرى، بحيث لا يطبع علاقتهما سوى التنافس الشريف”.

مرآة المجتمع

وبالنسبة للباحث السوسيولوجي عبد الرحيم بورقية، فإن العنف الذي نراه في الملاعب “هو مرآة لعنف مماثل في المجتمع”، معتبرا أن “المراهق أو الشاب الممارس للعنف هو منتوج مجتمعي للسياسات العمومية والتربية الأسرية ثم المدرسة”.

وأضاف بورقية أنه لا بد عند الحديث عن “شغب الملاعب” من الإشارة إلى ما وصفه بـ”عالم الألتراس” (يقصد بالألتراس مجموعات مشجعي الفرق الرياضية)، وهو “عالم” يطغى فيه، وفق الباحث، التنافس حول من سيحوز لقب “أشرس مجموعة” بالمغرب.

من جانبه، أكد محسن أفطيط، باحث في علم الاجتماع أستاذ بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، أن ظاهرة الشغب المرتبط بكرة القدم “لا يمكن فصلها عن السياق المجتمعي”.

العنف غير المرئي

شدد أفطيط، في حديثه إلى Alhayat 24، على ضرورة التمييز بين نمطين من العنف، ويحددهما في “عنف مرئي وآخر غير مرئي”، مشيرا إلى أن ما نتفق ونشترك فيه كمتتبعين وملاحظين للأحداث اليومية هو أن العنف هو ما نراه بشكل مباشر من أشكال التخريب والاعتداءات والسرقة والسب والقذف.

وأضاف: “لكن باعتماد فن الرجوع إلى الخلف، سنتمكن من التعرف على المستويات العميقة وغير المرئية لهذا العنف المرتبط بالملاعب، ليساعدنا في اجتثاث منابعه وتعزيز التسامح”.

العنف “غير المرئي” بالنسبة للباحث السوسيولوجي أفطيط هو “الصورة عما تم تلقين ممارس العنف من شروط حياة تفتقر إلى الحياة، أي شروط الإنتاج الاجتماعي، في ظل رأسمالية جديدة متمثلة في السياسات والبرامج الحكومية التي لا تلامس واقع هذه الفئة المكبوتة والمحرومة التي تراكم هذا الكبت حتى إطلاقه في لحظات معينة بطريقة مدوية وقاسية”.

صنع الإنسان

اتفق المتحدث ذاته على أن المقاربات أو الحلول الاستعجالية والآنية، كالمقاربة الأمنية رغم اعتبارها ضرورية، “غير كافية” في اجتثاث منابع هذا العنف.

واقترح الباحث في علم الاجتماع، في مقابل ذلك، التركيز على ما وصفها بـ”الابعاد التي تصنع الإنسان”؛ كالاستراتيجيات الحكومية بعيدة المدى التي يجب أن تراهن أساسا على تعليم ذي جودة يرسخ قيم التسامح والأخلاق الفضلى، ثم سياسات حكومية تلامس واقع هؤلاء الشباب الذين أتى أغلبهم من الأحياء الشعبية والفقيرة.

0 0 votes
Article Rating
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى