سيرة الكتابة والقراءة .. الحجمري يغوص في “جو من الندم الفكري” لكيليطو

يرى الكاتب المغربي عبد الفتاح الحجمري أن كتاب “في جو من الندم الفكري” لصاحبه الروائي والناقد عبد الفتاح كيليطو، يعد سيرة تعلّم، مستحضرا في هذا السياق كتابا لتزيفيتان تودوروف حول نقد النقد، الذي أضاف إليه عنوانا فرعيا هو “رواية التعلّم”.

وقال الجحمري، ضمن مقال توصلت به الحياة 24 بعنوان “الندمُ… إضافة وتكملة”، إن تودوروف كان يعي جيّدا-مثل كيليطو ومارت روبير-المنظور المعرفي الذي يربط سؤال “الأدبي” بـ”النقدي”، وانفتاحهما على أبرز قضايا الثقافة والفكر.

كما يجيب الجحمري عن معنى الندم في الدراسة الأدبية، مؤكدا أنه إحساس إيجابي غير سلبي له فائدته وضرورته أحيانا، ويعلمنا ألا نرتدّ إلى الماضي، اعتبارا لكونه أحد سبل الوصول إلى الحقيقة المفترضة.

هذا نص المقال: 1

أبدأ حديثي بقصة واقعية تعود أحداثها إلى نهاية الثمانينيات:

كنتُ طالبا بكلية آداب الرباط، أتردد بين الحين والآخر مُستمعا لمحاضرات أساتذة من شعبة الفلسفة أو التاريخ، وقررت ذات سنة أن أحضر محاضرات عبد الفتاح كيليطو التي كان يُلقيها على طلبة شعبة اللغة الفرنسية وكان، آنئذ، قد أصدر كتابه الأدب والغرابة وتعرفنا على طريقته في قراءة الأدب الكلاسيكي؛ كانت المحاضرات التي تتبّعتها تُحلل -إذا لم تخنن الذاكرة- رواية مدام بوفاري لفلوبير؛ كانت تحليلات كيليطو مفيدة وشيقة استفدت منها كثيرا.

وحدثَ أنني في الفترة نفسها، كنت أقرأ مقدمة ابن خلدون ووقفت في الفصل الخامس والأربعين عند حديثه عن علوم اللسان العربي وتحديدا (علم الأدب) واستوقفني تعريفه الآتي: “علم الأدب هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها…”، كما أثارني حديثه عما سمِعه من شيوخه في مجالس التّعليم من أنّ أصول هذا الفنّ وأركانه أربعة دواوين وهي: “أدب الكتّاب” لابن قتيبة وكتاب “الكامل للمبرّد” وكتاب “البيان والتّبيين” للجاحظ وكتاب “النّوادر” لأبي عليّ القالي البغداديّ، وما سوى هذه الأربعة فتَبَعٌ لها وفروع عنها، وأنّ منْ قرأها وتعلّم منها اكتسب حرفة هذا العلم وتمكّن منه. عند نهاية محاضرات عبد الفتاح كيليطو اغتنمت فرصة تحيّته لأطرح عليه سؤالا كنت على علم أنه خارج سياق المحاضرات، لكنه كان مهما بالنسبة إليّ، قلت له:

– أستاذ كيليطو أريد من فضلك أن تدُلني على باحث واحد أقرأ كُتبه ويكون عونا لي على تعميق معارفي في مجال البحث الأدبي؟

طرحتُ سؤالي المُباشر بسرعة وفي بالي نصيحة ابن خلدون ودعوته لقراء زمانه بالتّمعن في الدواوين الأربعة المحددة لعلم الأدب آنئذ؛ وتطلعتُ من كيليطو أن يُعينني على تعلّم قراءة الأدب الحديث والمعاصر.

نظر إليّ برهة. ابتسم مُحلقا ببصره متأملا سقف قاعة الدرس، ثم قال لي:

– أقترحُ عليك اسما واحدا، اقرأْ كُتب مارت روبير متى استطعت إلى ذلك سبيلا.

ناولته دفتري وكتب لي اسمها بالحرف اللاتينيMarthe Robert .

دارت الأيام وتوالت السنين، وشاء القدر أن قرأت أبرز كُتب هذه الباحثة الألمعية.

2

ما علاقة حديثي عن كتاب عبد الفتاح كيليطو في جو من الندم الفكري وقصتي التي حكيتها عنْهُ، وعن مارت روبير؟

يحمل أحد أهمّ كُتب مارت روبير عنوان “كتاب القراءات Livre de Lectures “، تقول في مستهله: بما أنني لم أنته من التساؤل حول الأدب وخاصة حول العلائق المحددة للأشياء المكتوبة مع الحياة، فإنني أقترح على نفسي أن أدوّن هنا، في نوع من اليوميات غير المؤرخة، الملاحظات والأسئلة التي تخطر على بالي في ارتباط بما أقرأ، دون الأخذ بعين الاعتبار جنس النصوص ولا نوعيتها”؛ من هنا فهمتُ أن أسئلة القراءة تتعدد بتعدد أسئلة النصوص والكتابات، وهذا ما يجعل من أبحاث مارت روبير في كتاب “القراءات” أحد التأملات الأساسية للنقد المعاصر، وقد أدارتها حول سؤال جوهري: هل توقف الأدب عن أن يكون موضوعا مقنعا لأنه لم يعد يتوفر على سحر، ولا على أية فائدة أكثر من أي إنتاج ثقافي آخر؟ وهل بإمكان الأدب أن يثبت، عكس ذلك، إذا ما توفرت له القدرة الكافية لتبرير امتيازاته؟

بهذا المعنى، تبين لي بعد قراءة “في جو من الندم الفكري” أن عبد الفتاح كيليطو يؤرخ في كتابه لقراءاته وكتاباته، مثلما يُعيد النظر في مفاهيم اللغات والأساليب والنصوص والأنواع الأدبية، وفي مفاهيم المؤلف والمترجم والقارئ، والنقد والدراسة الأدبية، وتصورات الكلاسيكية والحداثة، كل ذلك بعبارة دقيقة ومركزة مثلما هي عادته في تأمل أجواء الأدب والثقافة والفكر.

مع مارت روبير وعبد الفتاح كيليطو يتبين أنه من الممكن التأريخ للقراءة، أي أنه من الممكن كتابة تاريخ لها أو سيرة ذاتية غير مؤرخة لما يشغل بال الباحث أثناء الكتابة والدراسة.

بالنسبة للذين قرؤوا الكتابين معا، لعلهم يستنتجون -مثلي- أننا في مجال الدراسة الأدبية نندم كثيرا.

فما معنى الندم في الدراسة الأدبية؟

قد نندم لسبب غامض لا ندركه إلا بعد فوات الأوان: نندم نتيجة خطأ في اختيار متن الدراسة، أو في تأويل النصوص، أو في سوء تقديرات منهجية؛ ثم يتبين لنا في ما بعد أن للندم فائدته وضرورته أحيانا، إنه إحساس إيجابي غيرُ سلبي، يعلمنا ألا نرتدّ إلى الماضي، بل أن يكون الندم كامنا في المحتمل اعتبارا لكونه أحد سبل الوصول إلى الحقيقة المفترضة، في ضوء ما لدينا من معلومات ومعطيات متاحة. ربما لهذا السبب استوحى عبد الفتاح كيليطو عنوان كتابه من قولة لغاستون باشلار وضعها في المستهلّ: “إذا ما تحررنا من ماضي الأخطاء، فإننا نلفي الحقيقة في جوّ من الندم الفكري….”.

يغدو الندم -إذن- مصدرا من مصادر المعرفة، وهو بذلك لا يكون سببا من أسباب عرقلة التفكير والفكر.

3

يقول عبد الفتاح كيليطو في بحثه هذه العبارة: “البحث الأدبي، والقراءة بشكل عام، تغدو عملية تعديل مستمرة”؛ هل عملية التعديل تمكّن الباحث من التغلب على الملل؟

مجمل مباحث هذا الكتاب قائمة على مفهوم المقامة- المقامات والذي يعني خيار الكتابة “بالقَفْز والوَثْب” على حد قول مونتيني؛ بيد أن عبد الفتاح كيليطو لا يفكر في هذا الخيار إلا ضمن سياقٍ تاريخيٍّ يستدعي التفكير في سؤال الأدب من منظور تاريخي وآخر حديث يظلان دوما مرتبطين بخصوصية الكتابة ونوعية القراءة.

يتساءل كيليطو: “ما هو أول كتاب قرأته؟ في كل مناسبة أقدِّم عنوانا مختلفا حسب مزاج اللحظة، ومنعرجات الذاكرة، وحسب الشخص الذي يسألني ولغته والأدب الذي ينتمي إليه، فأقترح، بل أخترع كتاباً أول، أُبدع مرة أولى. ها نحن أمام مسألة البدايات. هل هناك أصلاً مرة أولى؟ في أغلب الأحيان لا تكون مؤكدة ومضمونة، سواء أتعلق الأمر بالقراءة أو بأمور أخرى. ما إن نعتقد الإمساك بها حتى نكتشف، وربما في الحين أو فيما بعد، أنها مسبوقة بأخرى. المرة الأولى في النهاية هي المرة بعد الأولى، وفي أحسن الأحوال المرة الثانية”.

هكذا نستمرّ من القراءة إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى الأسلوب.

والأسلوب أليس هو الرجل (والمرأة أيضا بصرف النظر عن الجنس طبعا)؟

“بوفون” هو من استعمل عبارة “الأسلوب هو الرجل” في خطابه بالأكاديمية الفرنسية عام 1753 وأضاف أن أوَّل مواصفات الأسلوب هو الوضوح “La première qualité du style, c’est la clarté”؛ وفي النهاية ما استخلصه كيليطو وهو الخبير بمعاني القراءة والكتابة على حدّ سواء: “ليست طريقتي في الكتابة من اختياري، ما هو شبه مؤكد أن ليس بمستطاعي أن أكتب بطريقة أخرى، ولعل هذا هو تعريف الأسلوب، أن تظل حبيس طريقة في الكتابة”.

لكن، أن تظل حبيس طريقة في الكتابة، أليس معناه – في الجوهر – ارتكاب بعض الأخطاء، ويكون من حقك أن ترتكبها؟

مرَّ عبد الفتاح كيليطو من التجربة نفسها: الحق في الخطأ؛ وفي ذلك يقول: “إنني أعيد النظر في ما كتبت عشرات المرات، ولا أتوقف إلا وفي ذهني أنني إن أعدت القراءة سأكتشف هفوات جديدة. خلافًا لما كنتُ أعتقد في صغري، اتضح لي أنّ الخطأ ليس شيئًا يحدث أو لا يحدث، إنّه المكون الأساسي للكتابة، معدنها وطبعها. أن تكتب معناه أن تخطئ. تساءل رولان بارت عن السكرتيرة المثالية التي لا ترتكب أخطاء حين تقوم برقن نص من النصوص، وأجاب: ليس لها وعي”.

4

في كتاب عبد الفتاح كيليطو: “في جو من الندم الفكري” فصل بديع بعنوان “فن الخطأ” بالإمكان اعتباره محور هذا الكتاب وموضوعه الأساس، وقد أداره حول خلاصة استنتجها من إحدى دراساته لشخصيات ألف ليلة وليلة والمقامات التي لا تنام. وحدث ذات يوم أن توصل برسالة من دارسة لأحد كتبه تخبره أنها قرأت في نسخة من نسخ ألف ليلة وليلة أن شخصياتها كانت تنام بالفعل، بينما كيليطو وصل في دراسته إلى عكس ذلك. دفعه هذا التنبيه إلى إعادة قراءة العديد من نسخ من ألف ليلة وليلة باللغة العربية، مثلما قرأ أيضا نسخا مترجمة ليتمكن من الوصول إلى نتيجة مفارقة: إما أن شخصيّات الليالي كانت تنام أو لا تنام.

عبد الفتاح كيليطو في ورطة!

ما الحلّ إذن؟

هل كان الخطأ مقصودا أم صادرا عن كلام ظل قابعا في لاوعيه من قراءات سابقة؟ إذا صح هذا، فلن يكون الأمر مُتعلقا إلا برواية غابرييل غارسيا ماركيز مائة عام من العزلة التي يصاب فيها سكّان القرية بحُمى الأرق فلم يناموا لمدة عشرين سنة. وفي فقرات لاحقة، يستخلص كيليطو موضحا أن “الخطأ ليس شيئا يحدث أو لا يحدث، إنه على العكس المكوّن الأساس للكتابة، معدنها وطبعها”.

أن تَكْتب، إذن، معناهُ أن تُخطئ.

ما بين الخطأ والندم يستعيد عبد الفتاح كيليطو سيرة الكتابة والقراءة بمنطق غير مُتوقع وحاذق: إذا تخلّى المرء عن الكتابة فهل سيكون بمقدوره أن يقرأ مرة أخرى، وإذا تخلى عن القراءة هل يكون بمقدوره أن يكتب مرة أخرى؟

من هذا المنظور، أعتبر كتاب كيليطو في جوّ من الندم الفكري سيرة تعلّم؛ وقد سبق لتزيفيتان تودوروف أن كتب كتابا حول نقد النقد وأضاف إليه عنوانا فرعيا هو رواية التعلّم، ذلك أنه كان يعي جيّدا -مثل كيليطو وروبير- المنظور المعرفي الذي يربط سؤال “الأدبي” بـ “النقدي”، وانفتاحهما على أبرز قضايا الثقافة والفكر.

هكذا، يتأمل عبد الفتاح كيليطو قيمة الأدب بوصفه حقيقة إنسانية، ويدعونا إلى عدم إغفال قيمة البحث الأدبي بوصفه خطابا موجّها نحو فهم حقيقة الأدب والحياة.

يتحدث الأدب عن العالم ويتحدث النقد عن الكتب، كأن الأمر يتعلّق بأفقين مُختلفين.

وهذا ليس دائما صحيحا: لأن الرغبة في الكتابة لا تنجم عن الحياة فقط، بل تنجم أيضا عن الكتب.

وعليه، لا ينبغي أن يقتصر حديث النقد عن الكتب، بل عليه أن يقدّم رأيه في الحياة كذلك.

هذا ما صنعه عبد الفتاح كيليطو في جو من الندم الفكري.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى