“الحلْقة” و”الظاهرة الكْناوية” .. ثروة المغرب الشفهية تنتظر “التدوين الحقيقي”

ينبّه أحدث أعمال الباحث عز الدين المعتصم إلى غياب “حركة تدوين حقيقية” للثروة الشفهية المغربية “قادرة على تحويل الخطاب اللساني من مجال التداول الشفهي إلى إطار التلقي المكتوب”، ويثير واقع عدم مواكبة هذا التراث بـ”ما يستحق من الدراسة النقدية”، إذ “ما زال النقد الأدبي في المغرب مخمورا بالثقافة العالِمة”.

جاء هذا في كتاب “المأثور الشفهي وأشكال الفرجة بالمغرب”، الصادر عن “الراصد الوطني للنشر والقراءة”، الذي يحاول الإلمام بأهم الظواهر النصية في التراث اللامادي للبلاد، في نماذج إبداعية؛ من قبيل “الحلْقة”، و”الظاهرة الكْناوية”، و”فن اعبيدات الرمى”، وفرجة “الطائفة العيساوية”، فضلا عن “الشعر الملحون”، والأمثال والحكايات والأغاني الشعبية المستلهمة في القصة المغربية المعاصرة.

وعلى الرغم من الاهتمام بـ”بعض أشكال التعبير الأدبي الشفهي” من “بعض المثقفين المغاربة” فإنها “لم تصل بعد إلى مستوى الدراسة المستفيضة والمنهجية” التي ترقى بها من “مجرد أشكال تعبيرية شعبية” إلى “أشكال تعبيرية ثقافية تسهم في الرّقي بالثقافة الوطنية، وبالشخصية المغربية، بمختلف مكوناتها الفنية والإبداعية والأدبية”.

ويؤكد المعتصم أن التراث الشفهي بالمغرب “إبداع إنساني عريق” يقوم على “طقوس كلامية تتصل بالحياة اليومية، وترسم في غناها وتنوعها العديد من الدلالات والمعاني الرمزية، التي تنمو وتتحوّل داخل وجدان جمعي مشترك”، وفي عمق هذا التراث “تشتغل مجموعة من الأشكال الشفهية على الذاكرة واللسان بوصفهما الحافظة الجمعية التي بات الاعتماد عليها أمرا ضروريا لصون هذه الإبداعات القولية”.

ويرى الباحث أن “التراث الشفهي”، الذي “يشكل إحدى الدعامات الحقة التي تؤطر الفعل الثقافي في كل أمة”، ينبغي أن تتحدد طبيعة الرؤية له من طرف المجتمعات “وأن تسلك سبيلا إلى جعله مندمجا في بنية موحدة ودينامية داخل جسد الثقافة بصفة عامة”، مع التفكير “في بناء استراتيجية حياله كي يكون فعالا في تشييد تنمية بشرية حَقَّة”؛ لكن موقف الرفض، الذي “لا يعترف للمأثورات الشفهية البسيطة بمزاياها في الأوساط الأدبية الكلاسيكية التي ترفض اعتبارها إبداعا خلاقا يستحق العناية”، أعاق الصيانة والانتشار والتألق المفترض أن تولاه هذه الأشكال الشفهية، ولو أنها تعكس “قدرات مبدعيها وعلمائها وممارسيها، وما تمثله بالنسبة لوجودهم في حياتهم الخاصة والعامة”.

ويعمل هذا المؤلف الجديد للمتخصص في الأدب الشعبي على مقاربة “التراث الشفهي/اللامادي المغربي وملامسة بعض أشكاله وطقوسه التي تقتضي دراسة جادة وفعالة تسهم في التغلغل في عالمها وتعمل على معرفتها واكتشافها ودراسة بلاغتها وسبر أغوار مضامينها ومحتوياتها وتحليل مختلف مكوناتها التي تجمع بين الذات والجماعة، بين المتخيل والمعاش”؛ وهو ما قاده إلى السعي إلى كشف شفرات “المتخيل الطقوسي” عبر الفنون الشعبية المغربية.

ويؤكد المعتصم على الارتباط الوثيق لأشكال الأدب الشفهي بـ”الهوية الثقافية للمجتمع المغربي”، كما يبرز أهم أشكال “الفرجة قبل المسرحية” وأهمية الاهتمام بـ”الشعر الملحون” الذي هو “ديوان المغاربة وسجل أحداثهم” الرامي إلى “تفسير جوانب الحياة”، بفضل قدرته على “استغلال اللغة في وظيفتيها الإبداعية والتفسيرية”.

وفي شق تحليل الحكاية الشعبية المستمدة من التراث الشعبي اللامادي، يوضح الباحث أنها “أكثر الحكايات انسجاما مع ميول الطفل”؛ لـ”قدرتها على إثارة خياله بما تقدمه من عوالم مختلفة تتفاعل دون وجود أي فواصل فيما بينها وكأنها عالم واحد، حيث تلغي الحكايات الشعبية الفواصل الزمنية والمكانية والاجتماعية بين البشر، وذلك من أجل خلق عالم واحد يحقق فيه الطفل ما يعجز عن تحقيقه في عالمه الواقعي”.

وبالتالي، فإنه يثير الانتباه إلى مخزونها الذي يدعم “القيم الإيجابية” ويقدم “النموذج الإيجابي الذي يتوحد معه الطفل، فضلا عن الجانب الفني الهادف الذي يساعد على إمتاعه من جهة، وتمثله لثقافة بيئته وقيمها وأعرافها من جهة أخرى، حتى يتكيف مع مجتمعه”.

إذن، يوضح الكتاب أن “استلهام المأثورات الشفهية” يعني “استدعاء معطياتها بطريقة فنية إيحائية ورمزية تتيح الفهم الموضوعي للذاكرة التراثية، وتفسيرها ضمن سياقات متعددة يمكن من خلالها نقد الحاضر في ضوء معطيات الماضي”.

ويدافع عز الدين المعتصم عن أطروحة مفادها أن النخبة البحثية والأدبية المغربية مطالبة اليوم “أكثر من أي وقت مضى بإحياء هذا التراث الشفوي العريق الذي يكشف عميق هويتنا، ويسهم في بلورة التواصل بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها”، بعد القيام بمسؤولية “التنقيب في ذواتنا، وآثارنا المهملة، وذاكرتنا المثقوبة عما يتبقى منها بشكل أو بآخر، فما لا يدرك كله لا يترك جله”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى