الأكاديمي أفاية يرصد معيقات وممكنات تطوير الفنون المعاصرة في المغرب

في غمرة التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي، لا سيما مع الطفرة الرقمية، وما واكبها من بروز تعبيرات فنية وثقافية جديدة، وانحسار دور المثقف، إلا أن “النخب الكلاسيكية”، مازالت تقاوم.

في هذا المقال يرصد المفكر محمد نور الدين أفاية، أسباب اهتزاز وتراجع صور المثقف والفنان، ويخلص إلى أن المثقف المغربي مازال يصر على إثبات وجوده، عن طريق الكتابة والبحث والنشر والإبداع… لكن هذا الإصرار يعترضه تحدّ كبير يتمثل في الصدى الذي تتركه هذه الإبداعات والكتابات، وحجم تأثيرها على الرأي العام.

===

عن تحولات الفن وسؤال تأثيره

في غمرة التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي، لا سيما مع الطفرة الرقمية، وما واكبها من بروز تعبيرات فنية وثقافية جديدة، وانحسار دور المثقف، إلا أن “النخب الكلاسيكية”، مازالت تقاوم.

في هذا المقال يرصد المفكر محمد نور الدين أفاية، أسباب اهتزاز وتراجع صور المثقف والفنان، ويخلص إلى أن المثقف المغربي مازال يصر على إثبات وجوده، عن طريق الكتابة والبحث والنشر والإبداع… لكن هذا الإصرار يعترضه تحدّ كبير يتمثل في الصدى الذي تتركه هذه الإبداعات والكتابات، وحجم تأثيرها على الرأي العام.

يشهد المغرب، منذ ما يقرب من ربع قرن، تفجُّرًا للمُخيلة، وتغييرا كبيرا في أطر إنتاج الثقافة ووسائل تداولها، إلا أن الجميع يُعاين أن المهمات المعرفية والبيداغوجية الجديدة، التي تفرضها تحولات التعبيرات الفنية والثقافية، تواجه صعوبات لا حصر لها في تصريفها، وتحقيقها، والبناء عليها.

وتؤكد مؤشرات عديدة على أنَّ التحوُّلاتِ التي شهدَها المجتمع المغربي في العقدين الأخيرين جعلَتْ صُور المثقف، والفنان، والنخبِ الكلاسيكيةِ تَهْتز وتتراجع، بالتدريج، وذلك لأسباب عديدة، منها:

أولا؛ ضُعف ذاتي داخلَ هذه النخب ناجمٍ عنْ سياقاتِ تشكُّلِها (فالمثقف الحديث، أو الفنانون الذين أسهموا في خوض التجارب الأولى في الفن المعاصر لم يظهروا، بشكل حقيقي، إلا في بداية الستينيات)؛

ثانيا: تغيّرُ مكونات النخبِ الثقافية المغربيةِ ووظائفِها بسبب التحوُّلِات الكبرى التي طرأت في بنيةِ المجتمع بسبب إدماجه القسري والسريع في عالم الاستهلاك المادي، بكل ما يفترض ذلك من قيم لا تساعد كلها على الاجتهاد، والإبداع، والتميز؛

ثالثا: بروز نخب جديدةٍ تتميّزُ بالبراغماتيةِ والنفعيةِ الآنيةِ، مرتبطَة بالرأسمالِ الاقتصاديِّ بدلًا منَ الرأسمالِ الرمزيِّ الذي عموما ما تمتلكُهُ النخبُ المتعلّمةُ والمثقّفةُ؛

رابعا: الاستبطان المزيف أو المنقوص لقيم الحداثة، وما ترتب عنه من نزاعات وصراعات بين المثقفين والفنانين، وقصورهم عن المساهمة في خلق “تيار عام” مقتنع بقيم الاعتراف، والإبداع، والاختلاف؛

خامسا: تراجع الجامعة، وتدهور جودة التكوينات سواء في الكليات ذات الولوج المفتوح أو في المعاهد العليا؛

سادسا: ظهور نخبٍ دينيةٍ وسياسيةٍ وإعلامية تطغى عليها النزعات المصلحية، تشتغلُ تحتَ الطلبِ، ولا تكترثُ كثيرًا لبناءِ قيم المواطنة، والمبادرة، أو إلى أخلاقيات التفكير النقدي والمناقشة؛

سابعا: تنامي أدوار الوسائطُ الجديدةُ في الإعلامِ ودورها في ظهورِ فاعلين افتراضيين، ومُؤثرين بكل الصفات وأنماط الخطاب حيث تحوّلَتِ الأميةُ، عندنا، منْ أميةِ بسبب الجهل بالقراءة إلى أميةِ قراءةِ الأحداثِ السريعةِ السطحيةِ دونَ إعمالٍ للعقلِ؛ بل وأصبح الجميع يلوك أفكارا عابرة، بل وحتى أعمالا فنية تفتقد لأي عنصر من عناصر الأصالة؛

ثامنا: تعميمِ ما ينعت بالتفاهةِ في وسائط الإعلام والتواصل وفي المجتمعِ، والاحتفال بقصص نجاح في الرياضةِ والغناء وغيرِها منَ المجالاتِ التي أصبحَتْ تجلبُ الأنظارَ والمشاهداتِ أكثرَ منْ أيِّ متخصّصٍ في الإبداع أو المعرفة؛

وأخيرا: ازدهار ميولات التهافت على الحقول الإبداعية، كما على الكتابة عنها؛ وهو تهافت يتحرك داخل أرضية ثقافية هشة ومُشَتتة، وفي سياق وجداني يتميز بمنسوب عجيب من تضخم الأنا، والتسرع في إصدار الأحكام القطعية، والمجاملات المُنتجة للوهم، وهو ما لا ولن يسعف في وضع أسس نظرية نقدية وجمالية يمكن البناء عليها لتطوير الممارسات الإبداعية في بلادنا.

وهكذا ما يمكن اعتباره جيدًا في الكتابة عن الفن المعاصر يبدو مشتتا، ولا تتوفر فيه الإرادة الجماعية، ويفتقد إلى الإطار المؤسسي الحاضن لِما هو نوعي وأصيل؛ اللهم إلا إذا استثنينا مبادرات وكتابات تمتلك جدارة المعرفة والتقدير المناسب لقيمة العمل الفني، من حسن الحظ، لكن القاعدة العامة تتميز بهشاشة ظاهرة.

إزاء مسلسل الانتقاص الموروث من العامل الثقافي في الخطابات السياسية التقليدية، كما داخل أوساط المقاولات الخاصة وأصحاب الثروات، وفي سياق اهتزاز المرجعيات والقيم، وأمام الاحتباس السياسي وضجيج بعض وسائل الإعلام، تؤكد كل الدلائل على أن العديد من العاملين في كافة الحقول الثقافية والمثقفين، فقدوا الثقة في أفكارهم. فالأطر التقليدية التي عادة ما كانت تسمح للمثقفين بالتعبير عن إنتاجهم وأفكارهم مثل الجامعة والإعلام الثقافي، تتعرض للإهمال والتراجع. كما حركت بعض وسائل الإعلام، المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية، أقلامًا وأصواتًا تتقدم وكأنها تمتلك الكفاية والمشروعية للحلول محل المبدع والمثقف النقدي والمؤرخ…

وأمام هذا الوضع يتقدم المبدعون والمثقفون، باختلاف وتفاوت مجالهم وعطائهم، وكأنهم فقدوا البوصلة؛ إذ نجد منهم من لاذ بالصمت، إما احتجاجا على التلوث السائد أو الالتباس المستشري، أو توخيا للسلامة وذلك بالانكماش على الذات والانغماس في غربة مريحة، وإما بقول البعض بأن التفكير أو الإبداع لم يعد مُجديا ما دام الجمهور المفترض أن يقرأه أو أن يشاهده لم يتم إعداده بالشكل المطلوب.

وفي المقابل أنتجت الحركة التصويرية والفنية المغربية، على سبيل المثال، منذ بدايات الاحتكاك المباشر بأوروبا، دينامية فنية وتشكيلية لها روادها واتجاهاتها ومعارضها، ونقادها وقنوات تبادلها ولها، بالخصوص، التباساتها ومفارقاتها. أسماء كبيرة تركت آثارها على الحقل الفني المغربي، من بلكاهية، والشرقاوي، والغرباوي، والمليحي، وشبعة، والقاسمي، وربيع، وآخرين كُثُر من الجيل المُؤسِّس والمخضرم، وأسماء لا حصر لها من الجيل الحالي، نساء ورجال، كهول وشباب؛ ومن المؤكد أن المعاينة نفسها تنطبق على حقول إبداعية أخرى. غير أنه على الرغم من ذلك يبدو من الملح، كان ذلك مُلحا في الماضي القريب ولا يزال يطرح، وبقوة، سؤال الوعي الفني في الثقافة المغربية المعاصرة. ذلك أن التحديث لا يقتصر على المجالات المادية والإدارية والشكلية، أو على تكرار خطاب عام عن أهمية “اقتصاديات الثقافة” في غياب كبير للبنيات التحتية الضرورية لهذه الاقتصاديات. فالأمر يستدعي اختيارات واضحة لم تتردد بعض المؤسسات الدستورية في اقتراح قواعدها المُؤسِّسة، مثل ما أصدره “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” من تقارير وتوصيات يمكن البناء عليها حول المجالات الثقافية في المغرب. فأمر الثقافة والفنون لا يمكن حصره في نخب محدودة العدد، بل يهم قضايا الذوق والحساسية الجمالية عند أكبر عدد ممكن من الناس. من هنا لن نَملَّ من الإلحاح على الحاجة إلى إدخال التربية الفنية والجمالية، وتعميمها في المؤسسات التعليمية، ورفع الحظر عن توظيف أساتذة التعليم الموسيقي والتشكيلي. ذلك أن المجهود التنموي ذا الأبعاد العصرية مجهود عام يشمل العقل والسلوك والذوق، وهي أدوات لثلاثة مجالات متكاملة: الفكر والأخلاق والقيم الجمالية؛ وذلك للإسهام في تشكيل مجال عمومي يتخذ من المغربي، كوجود وكهوية متعددة، منطلقه وهدفه.

خارج المرارة التي يمكن أن يشعر بها كل مُهتمٍّ بقضايا الفن والإبداع بخصوص أوضاع الفن المغربي المعاصر، ومن الخصاص الملحوظ في الوعي الثقافي على نسبة محترمة من المشتغلين بالإبداع الفني بالأساس، ثمة سؤال كبير آخر يطرح نفسه علينا، بقوة، يتعلق بالفهم: فهم أساسيات الفعل الإبداعي ومُكوناته، واستيعاب التحولات المعرفية التي تشهدها مسألة العلامة التي يُشَغِّلها كل فنان في أعماله، خصوصا وأن التباسا كبيرا يحصل في الكتابات والخطابات بين العلامة، والشكل، والدلالة التي -أي الدلالة- تشكل الأفق الحاسم الذي يُسعف في تبرير الانسجام، أو عدمه، بين الطرق الجديدة للتعبير والمعنى الذي تنتجه الإدراكات البصرية، والثقافية، والنفسية لإنسان اليوم.

ومع ذلك، ومهما بدا على هذه المعاينات من قتامة، وعلى الرغم من كل الانتقادات التي توجه للمثقف وللفنان، ومن كل أصناف الاستياء التي يمكن أن نجهر بها، هنا وهناك، بخصوص محدودية التنشئة الفنية والتربية على الإبداع، وأعطاب الممارسة الفنية، والوعي الفني، فإنني أعتبر أن المثقف والفنان لا يزال يصر، بدرجات متفاوتة، على الكتابة، والبحث، والنشر، والإبداع، ويعبر عن آرائه بشتى الطرق؛ بل إن خريطة الكتَّاب والمبدعين تتسع وتتنامى بشكل يستدعي مجهودات مُثابِرة لمواكبة اتساعه، سواء داخل المغرب أو في بلدان الهجرة.

غير أن المشكلة الكبرى والدائمة، عندنا، تتمثل في درجة ونوعية الصدى الذي تتركه هذه الإبداعات والكتابات، وفي حجم التأثير الذي تمارسه على الرأي العام، وفي توفير شروط استدامة هذا التأثير على الوجدان والوعي.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى