بوخليط ينفض الغبار عن سيرة الأيام الأولى

صدر حديثا للباحث المغربي سعيد بوخليط، عمل جديد موسوم بعنوان “ترانيم ذاكرة.. سيرة الأيام الأولى” عن دار “يسطرون للنشر والتوزيع بالسعودية”، يتضمن ثلاثين نصا حكائيا.

واشتغلت الذاكرة بسخاء واستفاضة وعطاء بهدف صياغة البناء الهيكلي الناظم لهذه السرديات التي وضَّب سعيد بوخليط خيوطها المفصلية على امتداد سنوات غير متباعدة، لكن مادتها ومضمونها وترسباتها الحكائية مترسِّخة أكثر بين طيات زمن بعيد يمتد إلى السنوات المبكرة من طفولة بوخليط، كي تستحضر ثانية مجموعة وقائع حياتية خَبِرها الراوي وشَكَّلت منذئذ أبعاد وعيه مثلما وجهت مساره الشخصي والفكري.

وتستعيد نصوص بوخليط البدايات بنبرة حنين واضحة، يتداخل بين طياتها الذاتي والموضوعي، الوصفي والخيالي، الجلي والرؤيوي، الصريح والضمني، وجملة اعترافات تبوح بشفافية عبر استبطان الذات، تهمس، تعترف، تبوح، تبكي، تفرح، تضجر، تتأفَّف، تصرخ، تصمت، تساجل، تتذكر، تتأمل، تتطلع. كما تعبر ضمنيا خلال الوقت ذاته عن عملية ترميم لهذه الذاكرة، بتكثيف عمليتي البوح والتذكُّر.

وتنتفض الذاكرة جماليا كي تنفض الغبار عن جلدها، وتستعيد مشارب بوتقة سياقات زمن ذاتي يتداخل طبعا بمقتضيات الموضوعي، فتوطدت بالتأكيد المعالم المفصلية لبناء شخصية الكاتب واستدراجه نحو مجرى أفق معين دون غيره.

وتؤكد بعض تأويلات المطَّلعين على الكتابات السير-ذاتية أنَّ كل راوٍ لنصوص من هذا النوع يتوخى أساسا التوثيق بذاكرته ليس لمعطيات حياة عاشها فعلا، بل هي حيثيات حياة أخرى يتطلع كي يعيشها حقا.
تقول إحدى أولى مقاطع هذه المحكيات:

“ولجتُ الغرفة، كان أبي مسجَّى تحيط به أمي وجدتي وخالي محمد.عيناه مفتوحتان، بالكاد، وقد تسمر نظره نحو السقف. الفم مفتوح مع غرغرة حشرجة. لاحظتُ جدتي تسكب قطرة عسل، لتليين فصل الروح عن الجسد مثلما فهمت بعد ذلك. الوقت زوالا، هكذا استمر الصراع من أجل البقاء، أربع ساعات تقريبا، لأني أذكر صبيحة ذلك اليوم وأنا أهمُّ للمغادرة نحو المدرسة، لاحظت بذكائي الطفولي أن أبي يلحُّ علي بملاحقة متكتِّمة، لم أعهدها من قبل، كأنه أراد اصطحابي أو إخباري بشيء ما، لكن لسانه لم يسعفه. صار حقيقة تلفظه شحيحا، يعبر أكثر بسيمياء وجهه، لاسيما حاجبيه وتقوسهما الحاد حين الغضب. نظرة مختلفة تماما، تضمر مغزى معين، لم أستوعبه إلا بعد سنوات، وشرعت ذاكرتي بين الفينة والثانية تجذبني من أذني قصد استعادة الوقائع، لكن مثلما أريدها أنا.

في الليلة الأخيرة قبل صباح الرحيل، هيأت أمي للعشاء طبق أرز بالحليب والزبدة والعسل، أمدته بصحن فلم يأبه، ثم عاودت الكرَّة بملعقة ممتلئة وضعتها في فمه، لكنه أزاحها جانبا ممتعضا. شرع يهذي بكلام غير مفهوم لم نفرز منه سوى كلمة واحدة: سنسافر”.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى